قضية اختلاس الأوقاف الجعفرية.. قراءة في آليات الاختلاس والخلل المؤسسي والرقابي
| علي العمران
أثارت قضية اختلاس نحو 483 ألف دينار من أموال المساعدات الخيرية التابعة للأوقاف الجعفرية تساؤلات واسعة حول فعالية منظومة الرقابة الداخلية والإجراءات المالية والإدارية المعمول بها. فبعيدا عن المسؤولية الجنائية التي تنظر فيها المحكمة، تبرز أهمية فهم الكيفية التي أمكن من خلالها تنفيذ هذه العمليات، وما تكشفه الواقعة من نقاط ضعف مؤسسية تستحق المراجعة والمعالجة. وتستند هذه القراءة إلى ما ورد في الوقائع الرسمية المتداولة، مع التركيز على الجوانب الإدارية والرقابية والتقنية التي سمحت بحدوث المخالفات واستمرارها لفترة من الزمن. أولًا: كيف تم تنفيذ الاختلاس عمليًّا؟ بحسب ما أُعلن رسميّا، فقد قامت آلية الاختلاس على سلسلة من الإجراءات المتتابعة، تمثلت في: 1. إنشاء طلبات مساعدات خيرية بأسماء مستفيدين غير حقيقيين أو ببيانات غير صحيحة، وإدخالها ضمن دورة العمل المعتادة الخاصة بطلبات الدعم. 2. تمرير الطلبات على اللجنة المختصة (لجنة المبرات) للحصول على الموافقات والاعتماد، وتمت الموافقة عليها استنادا إلى المعلومات والوثائق المقدمة ضمن الملفات. 3. استلام المتهم للشيكات بعد صدورها واعتمادها بقيمة المساعدات المقررة. 4. إيداع مبالغ الشيكات في الحساب الشخصي للمتهم، وتشير الوقائع إلى استخدام جزء من الأموال في شراء عقار وسيارتين. 5. التلاعب بالبيانات الإلكترونية داخل النظام الإلكتروني للإدارة، بما أسهم في استكمال الإجراءات وإخفاء المخالفات. 6. محاولة صرف مبالغ أخرى، إذ تشير المعلومات الرسمية إلى وجود شيكات أخرى بقيمة تقارب 58 ألف دينار كان المتهم على وشك صرفها قبل اكتشاف الواقعة. وتوحي هذه الوقائع بأن الموظف كان يتمتع بصلاحيات مؤثرة في أكثر من مرحلة من مراحل دورة العمل، تشمل إعداد الطلبات والتعامل مع النظام الإلكتروني والتواصل مع إجراءات الصرف. ثانيًا: ماذا تكشف الواقعة عن منظومة الرقابة؟ 1. ضعف التحقق من هوية المستفيدين واعتماد اللجنة المعنية على المستندات المقدمة فقط دون تحقق مستقل، مما يزيد من مخاطر تمرير الطلبات الوهمية، ويتنافى مع الأنظمة الحديثة للمساعدات الاجتماعية والخيرية التي تعتمد فيها وسائل متعددة للتحقق، مثل: الربط مع قواعد بيانات الهوية الوطنية، والتحقق الإلكتروني من البيانات، والتواصل المباشر مع المستفيدين، والزيارات الميدانية، والتدقيق العشوائي. 2. محدودية فعالية الرقابة السابقة للصرف؛ إذ إن وجود لجنة اعتماد لا يعني بالضرورة وجود رقابة فعالة إذا ما كانت قراراتها تعتمد بشكل شبه كامل على البيانات التي يقدمها موظف واحد دون مراجعة مستقلة أو تدقيق إضافي. ويزداد الأمر تعقيدا إذا أُخذ في الاعتبار أن رئيس المجلس كان يشغل رئاسة اللجنة نفسها، مما يحد من فعالية الرقابة وأدواتها وآلياتها، ويطرح أسئلة مشروعة عن طبيعة عمل اللجنة، وآليات التحقق التي كانت تعتمدها، ومستوى التدقيق الذي كانت تمارسه قبل اعتماد الطلبات، ومدى خضوع أعمالها للمراجعة الدورية. 3. خلل في الضوابط التقنية للنظام الإلكتروني؛ فإذا صح أن الموظف تمكن من تعديل أو إدخال بيانات غير صحيحة داخل النظام دون اكتشاف فوري، فإن ذلك قد يشير إلى قصور في بعض الضوابط التقنية، مثل: سجلات التتبع الإلكترونية (Audit Logs)، ومراجعة صلاحيات المستخدمين، وأنظمة التنبيه المبكر للعمليات غير الاعتيادية، والرقابة على التعديلات الجوهرية في البيانات. فالأنظمة الإلكترونية لا تؤدي دورا رقابيا فعالا ما لم تكن مصحوبة بضوابط تمنع التلاعب أو تكشفه سريعا. 4. غياب الفصل بين المهام؛ ففي المعايير الحديثة للرقابة المالية لا يجوز أن يتمكن شخص واحد من تنفيذ سلسلة متكاملة من الإجراءات تشمل: إدخال الطلبات، وتعديل البيانات، ومتابعة الاعتماد، والتعامل مع إجراءات الصرف. ويُعرف هذا المبدأ بـ “الفصل بين المهام”، وهو أحد أهم أدوات منع الاحتيال المالي. وتُعد هذه النقطة من أبرز الدروس المستفادة من القضية. 5. ضعف الرقابة اللاحقة؛ فوصول المبلغ إلى هذا الحجم المالي يوحي بأن المخالفات لم تُكتشف في مراحلها الأولى، ويثير ذلك تساؤلات عن: فعالية التدقيق الداخلي، وانتظام التسويات البنكية، ومراجعة قوائم المستفيدين، وتحليل الأنماط غير الطبيعية في عمليات الصرف، وكفاءة مؤشرات الإنذار المبكر. فالمراجعة الدورية يفترض أن تكشف عن أي انحرافات قبل تراكمها إلى مبالغ كبيرة. 6. مخاطر الاعتماد على الشيكات؛ إذ إن الاعتماد على الشيكات يضيف طبقة إضافية من المخاطر التشغيلية والرقابية إذا لم تُطبق ضوابط صارمة على عملية إصدارها وتسليمها، مما دعا العديد من المؤسسات الحديثة اليوم لاعتماد التحويل المباشر إلى الحسابات البنكية للمستفيدين بعد التحقق من هوياتهم؛ لما يوفره ذلك من تتبع ورقابة أفضل. ثالثًا: هل تكشف القضية بالضرورة عن مسؤولين آخرين؟ حتى الآن، يتركز الاتهام الرسمي على الموظف المتهم، ولا توجد أحكام أو نتائج نهائية تثبت مسؤولية أشخاص آخرين. ومع ذلك، فإن حجم الواقعة وطبيعة الإجراءات المرتبطة بها يطرحان تساؤلات مشروعة عما إذا كانت هناك حالات إهمال إداري أو رقابي، أو ثقة مفرطة في الموظف المختص، أو قصور في إجراءات المراجعة والتدقيق، أو نقاط ضعف مؤسسية لم تُكتشف في الوقت المناسب. وهنا ينبغي التمييز بين المسؤولية الجنائية التي يحددها القضاء، والمسؤولية الإدارية أو المؤسسية التي قد تتعلق بفعالية الأنظمة والإجراءات بغض النظر عن وجود شبهة جنائية. رابعًا: الأسئلة التي ما زالت بحاجة إلى إجابات: على رغم التطورات القضائية في القضية، تبقى هناك مجموعة من الأسئلة المهمة لفهم الصورة الكاملة: - ما الفترة الزمنية التي وقعت خلالها عمليات الاختلاس؟ - من كان مسؤولا عن اعتماد وصرف الشيكات؟ - ما طبيعة الرقابة المالية التي كانت مطبقة على الحسابات؟ - هل كانت هناك مراجعات دورية للمستفيدين ولحركة الصرف؟ - لماذا لم تظهر مؤشرات الخلل في مراحل مبكرة؟ - ما التغييرات والإصلاحات التي أُدخلت بعد اكتشاف الواقعة؟ وإن الإجابة عن هذه الأسئلة تمثل جزءا مهما من عملية الإصلاح المؤسسي، ومنع تكرار مثل هذه الحالات مستقبلا. خامسًا: ما الذي ينبغي أن يتغير؟ على المستوى الإجرائي: لا بد من الفصل الكامل بين إعداد الطلبات واعتمادها وصرفها، واعتماد التحقق المستقل من المستفيدين، والتحول إلى التحويلات البنكية مباشرة بدلا من الشيكات، وربط طلبات المساعدة بالهوية الوطنية وقواعد البيانات الحكومية ذات الصلة. وعلى المستوى التقني: ينبغي تطبيق سجلات تدقيق إلكترونية غير قابلة للتعديل، وإنشاء أنظمة إنذار مبكر للعمليات غير الطبيعية، والمراجعة الدورية لصلاحيات المستخدمين، وتوثيق جميع التعديلات الجوهرية إلكترونيا وربطها بموافقات رقابية مستقلة. وعلى مستوى الحوكمة والمساءلة: من الضروري أن تتم مراجعة إجراءات عمل اللجان المختصة، وتقييم أداء منظومة الرقابة الداخلية والتدقيق المالي، ونشر نتائج المراجعات والإجراءات التصحيحية بالقدر الذي يسمح به القانون، وتعزيز الشفافية والإفصاح المؤسسي للحفاظ على الثقة العامة. الخلاصة تمثل قضية اختلاس الأوقاف الجعفرية اختبارا مهمًّا لفعالية منظومة الحوكمة والرقابة المالية؛ فالقضايا المالية الكبرى لا تنشأ عادة نتيجة خطأ فردي معزول فحسب، بل نتيجة تداخل مجموعة من الثغرات الإدارية والرقابية والتقنية التي تسمح باستمرار المخالفات فترة زمنية قبل اكتشافها. ويبقى الهدف الأساسي من التحقيقات والمحاكمات ليس فقط تحديد المسؤولية الجنائية للأفراد، بل أيضا تشخيص أوجه القصور المؤسسي ومعالجتها، بما يعزز حماية المال الوقفي، ويرسخ مبادئ الشفافية والمساءلة، ويحد من احتمالات تكرار مثل هذه الوقائع مستقبلا. ومع اقتراب جلسات المحاكمة، يظل الاهتمام منصبًّا على ما إذا كانت النتائج ستقتصر على مساءلة المتهم المباشر، أم ستقود كذلك إلى مراجعة أوسع للأنظمة والإجراءات والضوابط الرقابية التي كان يفترض أن تمنع وقوع هذه المخالفات أو تكشف عنها في مراحل مبكرة.
*باحث في مجال الاقتصاد والإدارة