آليات حماية الأطفال من الجرائم الإلكترونية فى ضوء قانون رقم (60) لسنة 2014 بشأن جرائم تقنية المعلومات

| د. أحمد فريد

لم يعد الفضاء الافتراضي مجرد مساحة للعب والتعلم، بل تحول إلى ساحة مفتوحة تتطلب حراسة قانونية صارمة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالفئة الأكثر هشاشة في مجتمعاتنا وهم الأطفال. لقد أدرك المشرع في مملكة البحرين أن المساس ببراءة الطفولة واستغلالها عبر الوسائط الرقمية يمثلان جريمة مركبة تستوجب تدخلاً تشريعياً حاسماً، يسبق الجاني بخطوة ويجرده من أي ذرائع قد تقيه من المساءلة، لذا جاء قانون رقم (60) لسنة 2014 بشأن جرائم تقنية المعلومات ليضع سياجاً منيعاً، محولاً شاشات الأجهزة الذكية من ثغرات محتملة للخطر إلى حصون تحرسها قوة القانون. اتخذ المشرع البحريني موقفاً هجومياً لا دفاعياً في مواجهة الجرائم الأخلاقية الإلكترونية؛ فلم يكتفِ بتجريم الأفعال الأساسية كالإنتاج أو التوزيع، بل شدد العقوبات بصورة تلقائية وفورية بمجرد أن يكون المحتوى موجهاً للأطفال أو حتى متاحاً لهم، وقد تجلى هذا الحزم بشكل قاطع لا لبس فيه في نص المادة (10) من القانون، والتي جاءت صياغتها تفصيلية وحاسمة كالتالي: "مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد في أي قانون آخر: 1.    يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبالغرامة التي لا تجاوز عشرة آلاف دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من أتى أياً مما يلي :   ‌أ) أنتج مادة إباحية بقصد توزيعها بواسطة نظام تقنية المعلومات. ‌ب) استورد أو باع، أو عرض للبيع أو الاستخدام، أو تداول أو نقل أو وزع أو أرسل أو نشر أو أتاح مادة إباحية بواسطة نظام تقنية المعلومات، وتكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنتين وبالغرامة التي لا تجاوز عشرة آلاف دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين إذا كانت المادة الإباحية موجهة إلى الأطفال، أو وضعت في متناولهم. 2.    يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر وبالغرامة التي لا تجاوز ثلاثة آلاف دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من أتى أي فعل مما يلي:   ‌أ) حصل لنفسه أو لغيره على مادة إباحية بواسطة نظام تقنية المعلومات. ‌ب) حاز مادة إباحية داخل نظام تقنية المعلومات أو في أية وسيلة تقنية المعلومات، وتكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبالغرامة التي لا تقل عن ثلاثة آلاف دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين إذا كانت المادة الإباحية موجهة إلى الأطفال، أو وضعت في متناولهم.  3.    في تطبيق أحكام هذه المادة يقصد بعبارة "مادة إباحية عن الأطفال" التعريف الوارد للمواد الإباحية عن الأطفال في البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية حقوق الطفل بشأن بيع الأطفال وبغاء الأطفال والمواد الإباحية عن الأطفال."  وبقراءة تشريحية متأنية لهذا النص، نجد أن المشرع قد طوق الجريمة من كافة جوانبها المادية، والتجريم هنا لا يتوقف عند حد الاستغلال التجاري، أو الإنتاج، أو النشر الواسع، بل يمتد ليطال مجرد "الحيازة" الفردية أو "الحصول" على هذه المواد والاحتفاظ بها ضمن الأجهزة الخاصة، وتبرز فلسفة الحماية في رفع الحد الأدنى لعقوبة الحبس وتغليظ الغرامة بمجرد ثبوت أن هذه المواد موجهة للأطفال أو حتى "وضعت في متناولهم"، مما يحمّل الأفراد مسؤولية قانونية واجتماعية مباشرة لمنع وصول أي محتوى مسيء للطفل، ويسد الطريق أمام أي محاولات للتهرب من تهمة القصد الجنائي.  ولضمان عدم التلاعب بالألفاظ أو تمييع القضايا في أروقة المحاكم، أحال القانون التعريف القانوني الدقيق لهذه المواد إلى المواثيق الدولية، وتحديداً "البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية حقوق الطفل"، مما يضفي على التشريع البحريني صبغة عالمية متطورة، ويؤكد التزام المملكة الفعلي بتعهداتها الحقوقية. إن هذه المادة لا تمثل مجرد نص عقابي كلاسيكي، بل هي وثيقة حماية صارمة تؤكد أن المساس ببراءة الأطفال هو خط أحمر، يقابله سيف قانوني لا يساوم .