لماذا تتحول التقييمات إلى طقوس كاذبة؟

| د. جعفر محمد أحمد

‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬المؤسسات،‭ ‬يبدأ‭ ‬موسم‭ ‬تقييم‭ ‬الأداء‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬الجدية‭ ‬وينتهي‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬التمثيل‭. ‬تُعقد‭ ‬الاجتماعات،‭ ‬تُملأ‭ ‬النماذج،‭ ‬تُناقش‭ ‬الدرجات،‭ ‬وتُرفع‭ ‬التوصيات‭. ‬يبدو‭ ‬المشهد‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬وكأنه‭ ‬ممارسة‭ ‬إدارية‭ ‬رصينة‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬قياس‭ ‬الأداء‭ ‬وتحفيز‭ ‬الموظفين‭ ‬وتطويرهم‭. ‬لكن‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬نادرًا‭ ‬ما‭ ‬يُطرح‭ ‬هو‭: ‬هل‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬فعلًا‭ ‬هو‭ ‬تقييم‭ ‬للأداء،‭ ‬أم‭ ‬مجرد‭ ‬طقس‭ ‬تنظيمي‭ ‬يتكرر‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬لأن‭ ‬الجميع‭ ‬اعتاد‭ ‬عليه؟‭ ‬المشكلة‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬فكرة‭ ‬التقييم‭ ‬نفسها،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬التحول‭ ‬التدريجي‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬الغاية‭ ‬تختفي‭ ‬وتبقى‭ ‬الطقوس‭. ‬فبدل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬التقييم‭ ‬أداة‭ ‬لفهم‭ ‬الأداء‭ ‬الحقيقي،‭ ‬يصبح‭ ‬أداة‭ ‬لإدارة‭ ‬المشاعر‭ ‬وتجنب‭ ‬الصدامات‭ ‬والمحافظة‭ ‬على‭ ‬الانسجام‭ ‬الظاهري‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسة‭. ‬المدير‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬إحراج‭ ‬الموظف،‭ ‬والموظف‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬سماع‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يعجبه،‭ ‬وإدارة‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬تريد‭ ‬إكمال‭ ‬الدورة‭ ‬السنوية‭ ‬دون‭ ‬مشاكل‭. ‬وهكذا‭ ‬يصبح‭ ‬الهدف‭ ‬غير‭ ‬المعلن‭ ‬هو‭ ‬عبور‭ ‬الموسم‭ ‬بأقل‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬التوتر‭.‬

في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان،‭ ‬يعرف‭ ‬المدير‭ ‬مسبقًا‭ ‬التقييم‭ ‬الذي‭ ‬سيمنحه‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يراجع‭ ‬أي‭ ‬نموذج‭. ‬ويعرف‭ ‬الموظف‭ ‬بدوره‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الملاحظات‭ ‬لن‭ ‬تُقال‭ ‬بصراحة‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬صحيحة‭. ‬الجميع‭ ‬يشارك‭ ‬في‭ ‬المسرحية‭ ‬نفسها‭. ‬الكلمات‭ ‬تُختار‭ ‬بعناية،‭ ‬والانتقادات‭ ‬تُخفف،‭ ‬والنقاط‭ ‬الحساسة‭ ‬تُؤجل‭ ‬إلى‭ ‬أجل‭ ‬غير‭ ‬مسمى‭. ‬والنتيجة‭ ‬أن‭ ‬الوثيقة‭ ‬النهائية‭ ‬قد‭ ‬تعكس‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬قوله،‭ ‬لا‭ ‬ما‭ ‬يجب‭ ‬قوله‭. ‬المفارقة‭ ‬أن‭ ‬المؤسسات‭ ‬تنفق‭ ‬آلاف‭ ‬الساعات‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬ثم‭ ‬تتفاجأ‭ ‬بأن‭ ‬الأداء‭ ‬لا‭ ‬يتحسن،‭ ‬وأن‭ ‬المواهب‭ ‬لا‭ ‬تتطور،‭ ‬وأن‭ ‬المشكلات‭ ‬نفسها‭ ‬تتكرر‭ ‬عامًا‭ ‬بعد‭ ‬عام‭. ‬وهذا‭ ‬طبيعي،‭ ‬لأن‭ ‬الطقوس‭ ‬تمنح‭ ‬شعورًا‭ ‬بالسيطرة‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تحقق‭ ‬السيطرة‭ ‬فعلًا‭. ‬فهي‭ ‬تنتج‭ ‬تقارير‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تنتج‭ ‬فهمًا،‭ ‬وتولد‭ ‬مؤشرات‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تولد‭ ‬تغييرًا‭. ‬التقييم‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭ ‬نموذجًا‭ ‬يُملأ‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬السنة،‭ ‬بل‭ ‬حوار‭ ‬مستمر‭ ‬يتطلب‭ ‬شجاعة‭ ‬وصدقًا‭ ‬وثقة‭ ‬متبادلة‭. ‬أما‭ ‬عندما‭ ‬تصبح‭ ‬النماذج‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬الحقيقة،‭ ‬والدرجات‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬التطور،‭ ‬فإن‭ ‬التقييم‭ ‬يفقد‭ ‬وظيفته‭ ‬الأصلية‭ ‬ويتحول‭ ‬إلى‭ ‬طقس‭ ‬مؤسسي‭ ‬آخر‭ ‬يؤديه‭ ‬الجميع،‭ ‬بينما‭ ‬يتظاهر‭ ‬الجميع‭ ‬أيضًا‭ ‬بأنه‭ ‬مازال‭ ‬يؤدي‭ ‬غرضه‭.‬

 

‭* ‬مصرفي‭ ‬بحريني