عندما تنشغل المؤسسات بنفسها... التعقيد التنظيمي وتآكل جوهر الأداء والاستراتيجية

| نجوى الأحمد

في‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة،‭ ‬شهدت‭ ‬المؤسسات‭ ‬توسعًا‭ ‬ملحوظًا‭ ‬في‭ ‬الوظائف‭ ‬الداعمة‭ ‬للأعمال،‭ ‬بدءًا‭ ‬من‭ ‬الحوكمة‭ ‬وإدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬والامتثال،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬التحول‭ ‬المؤسسي‭ ‬والاستدامة‭ ‬والابتكار‭ ‬وبناء‭ ‬الثقافة‭ ‬التنظيمية‭. ‬وقد‭ ‬لعبت‭ ‬هذه‭ ‬الوظائف‭ ‬دورًا‭ ‬مهمًا‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬الانضباط‭ ‬المؤسسي‭ ‬وتحسين‭ ‬جودة‭ ‬القرار‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬المخاطر‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التوسع‭ ‬أفرز‭ ‬تحديًا‭ ‬إداريًا‭ ‬جديدًا‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بـ‭ ‬“التعقيد‭ ‬التنظيمي”‭ (‬Organizational Complexity‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬الحالة‭ ‬التي‭ ‬تتزايد‭ ‬فيها‭ ‬الأنشطة‭ ‬والإجراءات‭ ‬والتفاعلات‭ ‬الداخلية‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬تستهلك‭ ‬قدرًا‭ ‬متناميًا‭ ‬من‭ ‬الوقت‭ ‬والموارد‭ ‬والطاقة‭ ‬المؤسسية‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يقابلها‭ ‬أثر‭ ‬متناسب‭ ‬على‭ ‬الأداء‭ ‬أو‭ ‬القيمة‭ ‬المقدمة‭ ‬للعملاء‭.‬

في‭ ‬بيئات‭ ‬العمل‭ ‬الحديثة،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬التحديات‭ ‬مرتبطة‭ ‬فقط‭ ‬بكفاءة‭ ‬العمليات‭ ‬أو‭ ‬جودة‭ ‬الخدمات،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬مرتبطة‭ ‬أيضًا‭ ‬بقدرة‭ ‬المؤسسة‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬حجم‭ ‬متزايد‭ ‬من‭ ‬المتطلبات‭ ‬الداخلية‭. ‬فالموظفون‭ ‬يقضون‭ ‬جزءًا‭ ‬متناميًا‭ ‬من‭ ‬وقتهم‭ ‬في‭ ‬الاجتماعات،‭ ‬والتقارير،‭ ‬والاستبيانات،‭ ‬وبرامج‭ ‬التوعية،‭ ‬والمبادرات‭ ‬المؤسسية،‭ ‬ومتطلبات‭ ‬التنسيق‭ ‬بين‭ ‬الإدارات‭ ‬المختلفة‭. ‬ورغم‭ ‬أهمية‭ ‬كل‭ ‬نشاط‭ ‬على‭ ‬حدة،‭ ‬فإن‭ ‬تراكم‭ ‬هذه‭ ‬الأنشطة‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الأعمال‭ ‬الجوهرية‭ ‬التي‭ ‬تحقق‭ ‬القيمة‭ ‬الفعلية‭.‬

هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬ملاحظة‭ ‬إدارية،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬محورًا‭ ‬متكررًا‭ ‬في‭ ‬أدبيات‭ ‬الإدارة‭ ‬الحديثة‭. ‬فقد‭ ‬حذرت‭ ‬شركة‭ ‬ماكنزي‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬التعقيد‭ ‬التنظيمي‭ ‬يصبح‭ ‬مشكلة‭ ‬عندما‭ ‬تستهلك‭ ‬الأنشطة‭ ‬والتفاعلات‭ ‬الداخلية‭ ‬الوقت‭ ‬والموارد‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تضيف‭ ‬قيمة‭ ‬حقيقية‭ ‬للأعمال‭ ‬أو‭ ‬العملاء‭. ‬وترى‭ ‬ماكنزي‭ ‬أن‭ ‬المؤسسات‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تنجرف‭ ‬تدريجيًا‭ ‬نحو‭ ‬مستويات‭ ‬من‭ ‬التعقيد‭ ‬تجعل‭ ‬جزءًا‭ ‬متزايدًا‭ ‬من‭ ‬طاقتها‭ ‬يُستهلك‭ ‬في‭ ‬التنسيق‭ ‬والإجراءات‭ ‬الداخلية‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬خلق‭ ‬القيمة‭. ‬كما‭ ‬تشير‭ ‬أبحاث‭ ‬Bain‭ & ‬Company‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المؤسسات‭ ‬قد‭ ‬تفقد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬20‭ % ‬من‭ ‬طاقتها‭ ‬الإنتاجية‭ ‬نتيجة‭ ‬الهياكل‭ ‬والإجراءات‭ ‬والعمليات‭ ‬التي‭ ‬تعيق‭ ‬الموظفين‭ ‬عن‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬أعمالهم‭ ‬الأساسية‭. ‬وتظهر‭ ‬هذه‭ ‬الخسائر‭ ‬في‭ ‬صور‭ ‬مألوفة‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات؛‭ ‬مثل‭ ‬كثرة‭ ‬الاجتماعات،‭ ‬والتقارير‭ ‬المتكررة،‭ ‬والمبادرات‭ ‬المتداخلة،‭ ‬والاستبيانات‭ ‬المستمرة،‭ ‬والأنشطة‭ ‬الداخلية‭ ‬التي‭ ‬تتنافس‭ ‬جميعها‭ ‬على‭ ‬وقت‭ ‬الموظف‭ ‬واهتمامه‭. ‬أما‭ ‬Harvard Business Review‭ ‬فقد‭ ‬تناولت‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ‭ ‬“الاحتكاك‭ ‬البيروقراطي”‭ (‬Bureaucratic Drag‭)‬،‭ ‬مشيرة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬البيروقراطية‭ ‬الحديثة‭ ‬لا‭ ‬تؤثر‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬بل‭ ‬تُضعف‭ ‬أيضًا‭ ‬سرعة‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار،‭ ‬والمرونة‭ ‬التنظيمية،‭ ‬وقدرة‭ ‬المؤسسات‭ ‬على‭ ‬الاستجابة‭ ‬للتغيرات‭ ‬والابتكار‭ ‬الفعلي‭.‬

تكمن‭ ‬خطورة‭ ‬التعقيد‭ ‬التنظيمي‭ ‬في‭ ‬أنه‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬يتسلل‭ ‬إلى‭ ‬المؤسسة‭ ‬تحت‭ ‬عناوين‭ ‬إيجابية‭ ‬ومشروعة‭. ‬فكل‭ ‬مبادرة‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬مفيدة،‭ ‬وكل‭ ‬إجراء‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬مبررًا،‭ ‬وكل‭ ‬متطلب‭ ‬قد‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬هدف‭ ‬مشروع‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬المشكلة‭ ‬تظهر‭ ‬عندما‭ ‬يتم‭ ‬تقييم‭ ‬هذه‭ ‬الأنشطة‭ ‬بشكل‭ ‬منفصل،‭ ‬دون‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬أثرها‭ ‬التراكمي‭ ‬على‭ ‬المؤسسة‭ ‬ككل‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الحالة،‭ ‬يصبح‭ ‬النجاح‭ ‬مرتبطًا‭ ‬بعدد‭ ‬المبادرات‭ ‬المنفذة‭ ‬أو‭ ‬التقارير‭ ‬الصادرة‭ ‬أو‭ ‬البرامج‭ ‬المطروحة،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬ارتباطه‭ ‬بالنتائج‭ ‬الفعلية‭ ‬التي‭ ‬تحققها‭ ‬المؤسسة‭. ‬وهنا‭ ‬تقع‭ ‬المؤسسات‭ ‬فيما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬“فخ‭ ‬النشاط”‭ (‬Activity Trap‭)‬،‭ ‬حيث‭ ‬تختلط‭ ‬كثافة‭ ‬الحركة‭ ‬بفاعلية‭ ‬الإنجاز،‭ ‬وتتحول‭ ‬الأنشطة‭ ‬والمبادرات‭ ‬والتقارير‭ ‬إلى‭ ‬مؤشرات‭ ‬بديلة‭ ‬للنجاح‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬يصبح‭ ‬التركيز‭ ‬منصبًا‭ ‬على‭ ‬حجم‭ ‬ما‭ ‬يتم‭ ‬تنفيذه‭ ‬وإظهاره‭ ‬والإعلان‭ ‬عنه،‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬القيمة‭ ‬الفعلية‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬تحقيقها‭ ‬أو‭ ‬النتائج‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬الوصول‭ ‬إليها‭. ‬فتنشغل‭ ‬المؤسسة‭ ‬بقياس‭ ‬النشاط‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قياس‭ ‬الأثر،‭ ‬وبإدارة‭ ‬المدخلات‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مساءلة‭ ‬المخرجات،‭ ‬وبإثبات‭ ‬الجهد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬النتائج‭. ‬وتنعكس‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬الاستراتيجية‭. ‬فكل‭ ‬ساعة‭ ‬تُستهلك‭ ‬في‭ ‬أنشطة‭ ‬منخفضة‭ ‬القيمة‭ ‬هي‭ ‬ساعة‭ ‬لا‭ ‬تُستثمر‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬العملاء‭ ‬أو‭ ‬تطوير‭ ‬المنتجات‭ ‬أو‭ ‬تحسين‭ ‬العمليات‭. ‬ومع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت،‭ ‬تتشتت‭ ‬الجهود،‭ ‬وتتراجع‭ ‬سرعة‭ ‬التنفيذ،‭ ‬وترتفع‭ ‬تكاليف‭ ‬التنسيق‭ ‬الداخلي،‭ ‬وتفقد‭ ‬المؤسسة‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الاستجابة‭ ‬السريعة‭ ‬للتغيرات‭ ‬في‭ ‬السوق‭.‬

والمفارقة‭ ‬أن‭ ‬المؤسسات‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬أكثر‭ ‬نشاطًا‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى،‭ ‬بينما‭ ‬لا‭ ‬يتحسن‭ ‬الأداء‭ ‬النهائي‭ ‬بالقدر‭ ‬المتوقع‭. ‬فالعميل‭ ‬لا‭ ‬يقيس‭ ‬عدد‭ ‬المبادرات‭ ‬التي‭ ‬أطلقتها‭ ‬المؤسسة،‭ ‬بل‭ ‬يقيس‭ ‬جودة‭ ‬الخدمة‭ ‬وسرعة‭ ‬الإنجاز‭ ‬وسهولة‭ ‬التعامل‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬المستثمر‭ ‬لا‭ ‬يهتم‭ ‬بعدد‭ ‬البرامج‭ ‬الداخلية‭ ‬بقدر‭ ‬اهتمامه‭ ‬بالنتائج‭ ‬والاستدامة‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬النمو‭. ‬إن‭ ‬الحوكمة،‭ ‬والامتثال،‭ ‬وإدارة‭ ‬المخاطر،‭ ‬والابتكار،‭ ‬والتحول‭ ‬المؤسسي‭ ‬ليست‭ ‬أهدافًا‭ ‬بحد‭ ‬ذاتها،‭ ‬بل‭ ‬أدوات‭ ‬صُممت‭ ‬لدعم‭ ‬تحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬الاستراتيجية‭. ‬وعندما‭ ‬تتحول‭ ‬هذه‭ ‬الأدوات‭ ‬إلى‭ ‬غايات‭ ‬مستقلة،‭ ‬أو‭ ‬عندما‭ ‬تتجاوز‭ ‬تكلفتها‭ ‬التنظيمية‭ ‬القيمة‭ ‬التي‭ ‬تضيفها،‭ ‬فإنها‭ ‬تصبح‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬المشكلة‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الحل‭. ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬الأسئلة‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تطرحها‭ ‬القيادات‭ ‬التنفيذية‭ ‬بصورة‭ ‬مستمرة‭ ‬هو‭: ‬هل‭ ‬تضيف‭ ‬هذه‭ ‬الأنشطة‭ ‬قيمة‭ ‬حقيقية‭ ‬للعملاء‭ ‬والأعمال؟‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬تضيف‭ ‬طبقة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬التعقيد‭ ‬التنظيمي،‭ ‬والاحتكاك‭ ‬الإداري،‭ ‬والتشعب‭ ‬الإجرائي،‭ ‬والانشغال‭ ‬المؤسسي‭ ‬بالمظاهر‭ ‬والأنشطة‭ ‬القابلة‭ ‬للعرض‭ ‬والقياس،‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬والأثر‭ ‬الفعلي؟

في‭ ‬عصر‭ ‬تتزايد‭ ‬فيه‭ ‬المنافسة‭ ‬وتتسارع‭ ‬فيه‭ ‬المتغيرات،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬الميزة‭ ‬التنافسية‭ ‬الحقيقية‭ ‬للمؤسسات‭ ‬في‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬المبادرات،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يضيف‭ ‬قيمة‭ ‬فعلية‭ ‬وما‭ ‬يضيف‭ ‬تعقيدًا‭ ‬إضافيًا‭. ‬فالمؤسسات‭ ‬الأكثر‭ ‬نجاحًا‭ ‬ليست‭ ‬الأكثر‭ ‬انشغالًا،‭ ‬بل‭ ‬الأكثر‭ ‬تركيزًا‭. ‬

 

‭* ‬كاتبة‭ ‬بحرينية