العمر ليس عائقًا أمام التعلم واكتساب المعرفة
| أمين عبدالقادر العباسي
لم يعد العمر في عصرنا الحديث معيارًا حقيقيًّا للتعلّم أو اكتساب المعرفة، فالعلم لا تحدّه سنوات العمر، ولا تقف أمامه مرحلة وظيفية أو خبرة سابقة. ومع التطور المتسارع في التكنولوجيا ووسائل التعليم الحديثة، كمنصات التعليم الذاتي والجامعات الافتراضية، أصبحت فرص التعلّم أكثر مرونة وسهولة من أي وقت مضى، ما جعل الوصول إلى المعرفة متاحًا للجميع في مختلف الأعمار والخلفيات الثقافية والاجتماعية، ليمحو الفكرة التقليدية التي تربط التعليم بالقاعات الدراسية والسنوات المبكرة من العمر. قد يرى البعض أن الحصول على شهادة معتمدة أو الشهادات العليا هو الهدف الأساسي من التعلّم، سواء للبحث عن وظيفة مرموقة أو لتحقيق مكانة اجتماعية معينة، وهذا حق مشروع يسهم في بناء المسار المهني. لكن في المقابل، هناك فئة كبيرة تسعى إلى المعرفة بحد ذاتها، بدافع الشغف الفكري، أو الرغبة في حل مشكلة معقدة، أو تطوير مهارة يدوية وتقنية، أو اكتساب خبرات جديدة تساعد على مواكبة متطلبات الحياة المعاصرة وسوق العمل المتغير باستمرار، فالتعليم الحقيقي هو الذي يُمكّن الفرد من التكيف مع مستجدات عصره. وفي بيئات العمل المختلفة، فرضت التحولات الاقتصادية والرقمنة واقعًا جديدًا، حيث قد يجد بعض أصحاب الخبرة الطويلة أنفسهم يعملون تحت إشراف قادة أو مدراء أصغر سنًا منهم. هذا الوضع قد يحمل بُعدًا نفسيًّا حساسًا لدى البعض، خصوصًا لمن يرى في نفسه أنه بلغ مرحلة النضج المهني والكمال المعرفي. وقد يؤثر هذا الشعور سلبًا على الإنتاجية، ويخلق فجوة في العلاقات المهنية إذا لم يتم التعامل معه بوعي، واحتواء إداري ذكي يثمن قيمة الجميع دون تمييز. لكن من زاوية أكثر إيجابية، يمكن النظر إلى هذا التباين كفرصة ثمينة وجسر للتكامل بين الأجيال؛ فصاحب الخبرة يمتلك حكمة عملية عميقة ورؤية استراتيجية لا تُدرّس في الكتب، صقلتها سنوات الممارسة والتعامل مع الأزمات والتحديات الإدارية والمواقف الصعبة وكيفية تجاوزها بأقل الخسائر. وفي المقابل، يمتلك الجيل الجديد مرونة عالية ومهارات حديثة مرتبطة بالتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والأدوات الرقمية المتطورة، بحكم قربه منها ونشأته في ظلها وتعامله المستمر معها. ومن هنا تتحقق الفائدة الحقيقية للمنظومة؛ حيث يثمر تبادل المعارف والخبرات بين الطرفين خلق بيئة عمل حيوية، ناضجة، ومتطورة. فالمؤسسة الذكية والناجحة هي التي تستثمر في جميع كوادرها البشرية دون النظر إلى أرقام أعمارهم، وتؤمن بأن التعلم المستمر والتعاون البنّاء بين الأجيال هو الوقود الحقيقي لابتكار الحلول، وصناعة التميز، وتحقيق الاستدامة التنافسية. ختامًا، يبقى العلم رحلة مستمرة وشغفًا متجددًا لا يتوقف عند سن معينة، فالإنسان يبقى عالمًا ما طلب العلم، فإذا ظن أنه علم فقد جهل. كما أن تراكم الخبرة أو حداثة السن لا يشكلان عائقًا أمام تحقيق الأهداف المؤسسية، بل إن التكامل الواعي بين أصالة الخبرة وديناميكية التقنيات الحديثة هو الطريق الأمثل لصناعة مستقبل مهني واقتصادي أكثر قوة، ومرونة، وازدهارًا.
كاتب بحريني