القيّم الفني.. مسؤولية أخلاقية ومجتمعية وثقافية قبل أن تكون لقباً
| شيرين فريد
عزيزي القارئ ، لقد شهدت الساحة الفنية العربية خلال السنوات الأخيرة انتشاراً واسعاً لمصطلح "القائم الفني" أو "القيّم الفني"، حتى أصبح اللقب يُمنح أحياناً بسهولة تفوق حجم المسؤولية التي يحملها. والحقيقة أن القائم الفني ليس مجرد منسق للمعارض أو جامع للأعمال الفنية، بل هو صاحب مسؤولية ثقافية وأخلاقية ومعرفية تؤثر بصورة مباشرة في مسار الفنانين وفي تشكيل الذائقة الفنية للمجتمع. وفي التجارب العالمية الكبرى، لا يُنظر إلى القائم الفني باعتباره شخصاً يختار الأعمال وفق أهوائه الشخصية أو علاقاته الخاصة، بل باعتباره باحثاً ومفكراً يمتلك معرفة عميقة بتاريخ الفن ونظرياته واتجاهاته المعاصرة. فهو مسؤول عن بناء رؤية فكرية للمعرض، وتقديم قراءة نقدية للأعمال، وخلق حوار بين الفنان والجمهور، وبين الفن وقضايا المجتمع. ومن هنا فإن أول مسؤوليات القائم الفني هي العدالة المهنية. فاختيار الفنانين والأعمال يجب أن يستند إلى الجودة الفنية وأهمية التجربة وقيمة المشروع الإبداعي، لا إلى الصداقات أو المجاملات أو المصالح المتبادلة. فحين يغيب هذا المعيار، يتحول المعرض من منصة ثقافية إلى مساحة للإقصاء أو الترويج غير المستحق. كما يتحمل القائم الفني مسؤولية الحفاظ على المصداقية الفكرية للمعرض. فكل معرض يحمل رسالة ضمنية أو مباشرة، وعلى القائم الفني أن يكون قادراً على تبرير اختياراته نقدياً ومعرفياً، وأن يقدم للجمهور أسباباً واضحة لوجود كل عمل داخل سياق المعرض. وتؤكد الأدبيات المتخصصة في إدارة المتاحف والمعارض الدولية أن القائم الفني الناجح يجب أن يجمع بين المعرفة الأكاديمية والخبرة العملية والقدرة على البحث والتوثيق والكتابة النقدية. فالمهمة لا تتوقف عند تعليق اللوحات على الجدران، وإنما تشمل قراءة الأعمال وتحليلها وربطها بالسياقات الثقافية والاجتماعية والتاريخية. أما في السياق العربي، فإن الحاجة أصبحت أكبر إلى ترسيخ مفهوم القائم الفني بوصفه اختصاصاً قائماً بذاته، لا مجرد صفة تُمنح لأي شخص يعمل في المجال الفني. فليس كل فنان قائماً فنياً، كما أن ليس كل منظم معارض مؤهلاً للقيام بهذا الدور. قد يكون الفنان مبدعاً كبيراً، لكنه لا يمتلك بالضرورة أدوات البحث والنقد والتحليل المطلوبة لإدارة مشروع قيّم فني متكامل. ومن هنا يبرز السؤال المهم: من الذي يستحق أن يكون قائماً فنياً؟ يستحق هذا الدور من يمتلك المعرفة بتاريخ الفن ونظرياته، والخبرة العلمية والعملية في المعارض، والقدرة على البحث والكتابة النقدية، والاستقلالية الفكرية و المهنية، والالتزام بأخلاقيات العمل الثقافي. كما يجب أن يكون قادراً على اكتشاف التجارب الجادة ودعمها، وأن يملك الشجاعة المهنية لاتخاذ قرارات تستند إلى القيمة الفنية لا إلى الاعتبارات الشخصية. إن القائم الفني الحقيقي لا يصنع نجوميته من خلال الألقاب، بل من خلال الثقة التي يكتسبها لدى الفنانين والجمهور والمؤسسات الثقافية. فكل معرض ناجح هو شهادة على كفاءته، وكل تجربة فنية أصيلة يكتشفها أو يدعمها تمثل إضافة حقيقية للمشهد الثقافي وأخيرا وليس آخرًا، فإن القائم الفني ليس حارساً لبوابة الفن، بل مؤتمن على قيمته. ولهذا فإن مسؤوليته تتجاوز تنظيم المعارض إلى حماية المعايير المهنية، وصون العدالة الثقافية، والدفاع عن الإبداع الحقيقي أينما كان. وعندما يدرك الوسط الفني هذه الحقيقة، يصبح لقب "القائم الفني" تكليفاً معرفياً وأخلاقياً، لا مجرد مسمى يُضاف إلى بطاقة التعريف الشخصية.