إنجاز علمي رائد: تأليفي لأول كتاب عربي في المعارض التجارية

| خالد عبدالله المرباطي

بمناسبة اليوم العالمي للمعارض 2026، الذي يصادف يوم الأربعاء 3 يونيو، ويحمل هذا العام شعار “المعارض تحرك الفرص”، تتجدد أهمية المعارض التجارية باعتبارها منصة اقتصادية وتنموية تفتح آفاق التعاون والاستثمار، وتسهم في تحريك الأسواق وتعزيز النمو الاقتصادي. وتعيدني هذه المناسبة إلى تجربة مهنية وعلمية أعتز بها كثيرًا، عندما قمت في مطلع التسعينيات بتأليف أول كتاب عربي متخصص في المعارض التجارية، في وقت كانت المكتبة العربية تفتقر فيه إلى مرجع علمي متكامل في هذا المجال الحيوي.

في يناير من عام 1992م، الموافق رجب 1412هـ، صدر عن الأمانة العامة لاتحاد غرف دول مجلس التعاون الخليجي كتاب بعنوان “المعارض التجارية: المفاهيم – الأهداف”. ورغم أني مؤلف الكتاب ولكن اسمي لم يُدرج على غلاف الكتاب وفق سياسة الاتحاد آنذاك، إلا أنني أعتز بإنجازي لهذا العمل، وقد تم توثيق ذلك رسميًّا بخطاب من الأمانة العامة يثبت بأنني المؤلف. وربما كان غياب الاسم عن الغلاف تفصيلاً شكلياً، لكن حضور الجهد والمحتوى كان هو الأهم، وهو ما بقي شاهدًا على تجربة علمية ومهنية أفتخر بها. في تلك المرحلة، كانت من ضمن مسؤولياتي إدارة المكتبة الاقتصادية في الأمانة العامة، مما أتاح لي الاطلاع الواسع على المصادر العلمية، ومتابعة احتياجات الباحثين والطلبة. ومن خلال هذا الموقع، لاحظت فجوة واضحة يعاني منها طلبة ماجستير التسويق، خاصة في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، حيث لم يكن هناك مرجع متخصص في إدارة وتنظيم المعارض التجارية. هذا النقص المعرفي لم يكن مجرد ملاحظة عابرة، بل كان دافعًا حقيقيًّا لي لتقديم عمل يسد هذه الفجوة. انطلقت في تأليف هذا الكتاب مستندًا إلى خلفيتي الأكاديمية في الإدارة، وبعض المراجع الأجنبية وغيرها، وإلى خبرتي العملية في تنظيم المعارض، وهي خبرة لم تكن نظرية فقط، بل تشكلت من خلال مشاركتي الفعلية في تنظيم فعاليات كبرى، أبرزها المعرض الخليجي الأول الذي نظمه الاتحاد وأقيم في الشارقة عام 1985م تحت شعار “نحو تكامل اقتصادي خليجي موحد”. وكانت تلك التجربة محطة مفصلية، حيث عايشت عن قرب أهمية المعارض كأداة اقتصادية وتسويقية، ودورها في تعزيز التكامل بين دول الخليج، والتعريف بالمنتجات الوطنية، وفتح آفاق التعاون بين رجال الأعمال.

جاء الكتاب ثمرة لهذا التراكم المعرفي والعملي، فكان – بشهادة الواقع – أول كتاب باللغة العربية يتناول هذا التخصص بشكل متكامل. ولم يكن الهدف مجرد التأليف، بل تقديم مرجع علمي عملي يجمع بين المفهوم والتطبيق، ويخدم المنظمين والباحثين والمهتمين بهذا المجال الحيوي. ولم يخرج هذا العمل إلى النور إلا بعد أن خضع لمراجعة دقيقة من لجنة متخصصة ضمت أربعة باحثين اقتصاديين برئاسة الأستاذ إحسان عيسى الخلف – رحمه الله – الأمين العام المساعد. وقد أضفت هذه المراجعة العلمية عمقًا ومصداقية للكتاب، وجعلتني أكثر اطمئنانًا إلى جودة ما قدمت. في مقدمة الكتاب، ركزت على أن التسويق هو جوهر التحدي الذي تواجهه المؤسسات، وأن قدرتها على تسويق منتجاتها هي ما يحدد بقاءها ونموها. ومن هذا المنطلق، تناولت المعارض التجارية كأحد أهم أدوات الترويج، التي لا تقتصر على عرض المنتجات، بل تمثل منصة استراتيجية للتواصل وبناء العلاقات واستكشاف الأسواق. كما أشرت إلى أن الاهتمام بالمعارض في دول مجلس التعاون لم يكن بالمستوى المطلوب مقارنة بوسائل الترويج الأخرى، وهو ما عزز الحاجة إلى هذا الكتاب.  

حرصت على أن يكون الكتاب منظمًا بشكل علمي واضح، فبدأت بتمهيد تاريخي يضع القارئ في سياق تطور المعارض التجارية، ثم تناولت في الفصول الأربعة المفاهيم الأساسية، وأهمية المعارض، وأنواعها، وأخيرًا مقومات نجاحها. ولم أغفل الجوانب التطبيقية، حيث أدرجت نماذج ودراسات جدوى، وأنظمة وقوانين، لتكون عونًا عمليًّا لكل من يعمل في هذا المجال. إنني اليوم، وبعد مرور سنوات على صدور هذا الكتاب، أستحضر هذه التجربة بكل فخر، ليس فقط لأنها تمثل إنجازًا شخصيًّا، بل لأنها كانت مساهمة حقيقية في إثراء المكتبة العربية بمرجع متخصص ظل لسنوات مرجعًا للباحثين والممارسين. لقد كان هذا العمل خطوة جريئة في وقت لم يكن فيه الطريق ممهداً، وإيماناً مني بأن المبادرة العلمية هي التي تصنع الفارق. ربما لم يُكتب اسمي على الغلاف، لكنني أؤمن أن القيمة الحقيقية لأي عمل تكمن في أثره، وهذا الأثر – بحمد الله – تحقق. وما زلت أرى في هذا الكتاب دليلًا على أن الاجتهاد الصادق، حين يقترن بالخبرة والرؤية، يمكن أن يتحول إلى إنجاز يترك بصمة واضحة في مجاله.

‭*‬مدير‭ ‬أول‭ ‬سابق‭ ‬بغرفة‭ ‬تجارة‭ ‬وصناعة‭ ‬البحرين