ألم الرحيل!

| كمال الذيب

وقف أمام الجسد المسجى أمامه، عاجزًا عن استيعاب البرودة المفاجئة التي اجتاحت فجأة ملامح الصديق. انعكاس الضوء القادم من شمس الصيف الحارقة لم يكن كافيا لتدفئته. الغرفة الهادئة الغارقة في سكون الموت، تحولت إلى برزخ يفصل بين عالمي الحضور والغياب. أمام الجثمان البارد المسجى، خامرته مشاعر مختلطة منعكسة على نفسه بغضب غير معهود. في تلك المساحة الرمادية، لا جسد يؤلم ولا أنفاس تضيق. كان يظن أن الموت يمنح السكينة، لكنه كان واهمًا تمامًا. الأسوأ هذا الشعور الذي ينتابك وأنت ميتٌ تجاه من تركتهم خلفك؛ لم يكن رحيلك مجرد غياب، بل خيانة صامتة. أشبه بالشعور بالذنب تجاه أولئك الذين سيكونون في حاجة إليك وأنت غائب تماما، تلمح انكسارهم، تسمع نداءاتهم المكتومة. تدرك فجأة أنك خذلتهم برحيلك المفاجئ، أنت مجرد طيف لا يملك القدرة حتى على الاعتذار. ينتابك هذا الشعور وأنت مسجى تجاه من تركتهم خلفك، سيكونون في حاجة إليك فلا يجدونك، وكل الأحوال والأفعال التي ستتوقف فور المغادرة: المشاعر، الأقوال، التجمعات، الفواتير، الكلب المسكين الرابض في حزن حذو السرير، الشجرة الشرقية تحن إلى السقاية، الرقم السري لخزنة الأوراق التافهة، مفتاح الباب الخلفي، البيت الذي تغادر وكيف سيقتسمونه فيما بينهم، الكتب في المكتبة، الأوراق والصور وبقايا الحساب. في تلك اللحظة، تلاشت كل الكلمات، وحلّ مكانها صمت ثقيل يمزق الروح بألم الفراق، الخوف من هذا المجهول الذي اختطف الصديق فجأة من دون مقدمات، يتحول إلى مرآة قاسية أمام حتمية الرحيل. في تلك اللحظة أدرك مدى هشاشة الوجود، كيف يمكن للحياة أن تنطفئ فجأة، لنبقى وحيدين مع الكثرة، موجوعين مع التهريج والفرح الزائف، معزولين في صمتنا مع الضجيج من حولنا. نصارع وحشة المتبقي من الطريق.

همس ارقد يا صديقي في صمتك الأخير، لم يعد من بعدك ما يستحق الكلام. ارقد، فالزمان لم يعد زمانا،  ولا نحن نحن. اصمت، فلا شيء يدعو للكلام، لا الفرحُ مقيمٌ ولا الروض جلله دمع السحاب. أغمض عينيك وارحل، لتكن أكثر وسامة من الحياة. شكرًا أنك لم تخلف وعدك بالموت قبلي،  أبشر، فالطفل السجين في أحلامه قد رحل.

كاتب وإعلامي بحريني