النفوس والقلوب

| محمد عبدالله العلي

قبل 76 عامًا من الآن، كانت النفوس في البحرين لا تتجاوز الـ 109 آلاف و650 نسمة (83.2 بالمئة من البحرينيين، و16.8 بالمئة من الأجانب). وقبل 85 عامًا كان العدد 89 ألفًا و970 نسمة (82.3 بالمئة من البحرينيين، و17.7 بالمئة من الأجانب).  هذه الأرقام كانت تُخفي وراءها عوالم أخرى. عندما كنا مجتمعًا صغيرًا، كان الناس في البحرين يعرفون بعضهم جيدًا، نتيجة العلاقات المباشرة، كون الأرض التي كانوا يعيشون عليها محدودة، ومعلومة، ومتجاورة، على الرغم من أن البحرين لم يكن فيها سوى 12 سيارة عام 1926م، و475 سيارة عام 1938م، كثير منها كانت سيارات للدولة. كما أن كثيرًا من الطرق كانت تُشَيَّد كي تمشي عليها الخيول، وعربات الحمير. لكن، عندما تضخَّم تعداد المجتمع وتحَدَّث، تسَطَّحت العلاقات الاجتماعية فيه، على الرغم من امتداد شبكة المواصلات، ووجود أكثر من 760 ألف سيارة في البحرين. هذا الاغتراب الاجتماعي قاوَمَه البحرينيون بانتمائهم الديني والبَذْل، والروابط القرابية، والاختلاط في الأعمال، والطقوس الجماعية، وكذلك المجالس، لكن سطوة الحداثة والتمدُّن بقيت أكبر، وهي شديدة التأثير، وحساباتها مُجرَّدة من العواطف، وقادرة على أن تضغط أكثر على المجتمع. ربما نجد هذه الهواجس عند مَنْ سبقونا في الدخول إلى عالَم التحديث حيث العالَم الغربي، حين أدى السعي وراء الثروة إلى ارتباط بمشاعر دنيوية محضة (ماكس فيبر). كما أن التحديث اقترن بإضعاف الإحساس بالمجتمع (إيميل دوركايم)، وأن المدينة تُمَثِّل ثقافة العقل لا القلب (جورج سيميل)، وبات العمل يفقد صورته كتعبير عن قدرة الإنسان، ومنفصلاً عنه، ومنتجاته تقف في مواجهته بعد أن انفصلت عن مُنتِجِها (ماركس). باعتقادي أن الانتصار للأدوات الاجتماعية التي بحوزتنا أمام الحياة “الحديثة” وقسوتها، سيرسم مستقبلنا ومستقبل أجيالنا. هذا الانتصار له شروط واضحة: تقوية بناء الروابط الاجتماعية بعيدًا عن أية لغة أخرى، والأهم هو التحوُّل من ثقافة الامتلاك إلى ثقافة العطاء. 

 

‭* ‬كاتب‭ ‬بحريني