خربشة ومغزى.. "العَيُونُ ،، فيها مَزِيد إفْصَاح"
| أحمد عبدالله الحسين
العيون لها تَراسُل في نظراتها، وسِهامُها تصيبُ بالِماحاتها تستجلب مزيد من إفصاح حينما يطول نظر، والعيون لها دفء في ضوء خافت، وتلمع ألقّاً بنور لافت. وهي تتكلم بِلحظها، وتلسع بعمقها وجرئتها، بل صوتها صامت لاهب مُلْجِم، وحين تدمع فخلفها خوالج ومآرب قد تُحار في تأويلها، وربما تكون كاشفة عن حالها.
العيون معين جمال، ومراسم إلهام، ولها فيض يسري في وَجْد إنسان سواء عند أديب وشاعر ومفكر حين يبوح في لسان وقلم؛ في نوافذ مودّة، وقنوات شَوْق، وأصداء وَلَه فيه شهد مُصفَّى. ومن العيون ما يكتنفها غموض يُحار فيها ناظر، ويتوه بها باصر، ولهذا تصفها العرب؛ هاتكه وفاضحة، وساحرة وكاشفة، ونافذة وفاحصة، وعاذلة وشاكية، وفاترة وناعسة، وقاتلة تُنْشَبَ حبائِلَ وسهام وضِّرام.
وهذا ما وصف به شهاب الدين ابو الفوارس التميمي(ت 574هـ) قائلا؛
العَيْنُ تُبْدي الذي في قَلْبِ صاحبِها
مِن الشَّناءَةِ أوْ حُبٍّ إذا كانا
إنَّ البَغيضَ لهُ عينٌ تُكَشِّفُهُ
لا تَسْتطيعُ لما في القلْبِ كِتْمانا
فالعينُ تَنْطِقُ والأفْواهُ صامِتَةٌ
حتى تَرى منْ ضَميرِ القلبِ تِبْيانا
فقيه وفيلسوف الأندلس أبن حزم (ت456)قد ألَّف كتاباً أسماه طوق الحمامة جاء فيه ذكر لغة العيون وحركاتها ومدلولاتها وإشاراتها فقال؛
واعلم أن العين تنوب عن الرسل، ويُدرك بها المراد، والحواس الأربع أبواب إلى القلب ومنافذ نحو النفس، والعين أبلغها
وأصحها دلالة وأوعاها عملاً. وهي رائد النفس الصادق، ودليلها الهادي، ومرآتها المجلوة التي بها تقف على الحقائق وتميز الصفات وتفهم المحسوسات. وذُكِر كذلك من الطفر(أي القفزة الزمنية والسرعة) أنك ترى المصوت قبل سماع الصوت، وإن تعمدت إدراكهما معاً، ولو كان إدراكهما واحداً لما تقدمت العين السمع.
أما ما قيل في مدلولات الإشارة بالعين فهو التالي؛
فإن كانت بمؤخرّ العين الواحدة، فإنّها نهي عن الأمر.
وتصغيرها إعلام بالقبول.
وإدامة نظرها، دليل التوجع والأسى.
وكسر نظرها، آية الفرح.
وإطباقها، دليل على التهديد.
وقلب الحدقة إلى جهة ثمّ صرفها بسرعة،
تنبيه عن مُشار إليه.
والإشارة الخفيّة بمؤخر العينين معاً، سؤال.
وقلب الحدقة من وسط العين إلى موقعها بسرعة، شاهد المنع.
وترعيد الحدقتين من وسط العينين، نهي عام.
وهذا يُدرك بالمشاهدة والتجربة.
وهنالك ما هو وافر في تراثنا العربي في وصف العيون إزدان بتنوع مجاز، مثلا في معلقة امرؤ القيس الكندي، وهو سليل ملوك كِنْدة في نجد قال؛
تصُدُّ وتُبْدِي عن اسيل وتتَّقِي
بناظرةٍ من وحشِ وجرةَ مُطفلِ
والمعنى أن عيون الظبية المُطْفِل هي الأكثر سحرا وجمالا، وذاك لنظراتها الحانية والمتكررة نحو طفلها.
وعند العاشقين أن أجمل الحُسن ما تلقاه مختبئا خلف العيون حييا.
وهذا المتنبي حين تلمس لواحظ العيون وأهدابها، وسكونها وحركاتها وصف قائلا؛
رأيت وجه من أهوى بليل عواذلي
فقلتُ نرى شمساً وما طلع الفجرُ
رأيت التي للسحر في لحظاتها
سيوفٌ ظباها من دمي أبداً حُمْرُ
تناهى سكون الحُسن في حركاتها
فليس لرائي وجهها لم يَمُت عذْرُ
العيون لها في تراثنا صدى، وتآليف مثل طوق الحمامة لها ندى، وهذه بعض منها استوفى؛ روضة المحبّين لابن قيّم الجوزية، ومصارع العُشاق لابن السرّاج، وديوان الصبابة لابن أبي حجلة، وكتاب الزهرة للمفكر لإبن داود الظاهري.
وتبقى العيون لها خصوص تشبيه عند العرب أنها النّرجس، حتى قال أحدهم؛
انظر إلى نّرجس في روضة أنف
غناءً جمعت شتّى من الزهر
كأن ياقوتة صفراء قد طبعت
في غصنه حولها ست من الدّرر