أعياد ماليزيا بين الفرح والكلفة
| عبدالله بوقس
لا تبدو العطلات الطويلة في ماليزيا مجرد مناسبة للفرح، بل اختبارا عمليا للاقتصاد؛ فخلال أيام قليلة تتحرك الأسر بين المدن والقرى، وتمتلئ الطرق والمطارات والفنادق، وترتفع كلفة السفر والإنفاق، بينما تراقب الحكومة أثر الأسعار والطاقة وتقلبات الشرق الأوسط في معيشة الناس. في 27 مايو، احتفل مسلمو ماليزيا بعيد الأضحى بالصلاة والأضاحي والزيارات وتوزيع اللحوم. المختلف هنا ليس معنى العيد، بل موقعه داخل مجتمع متعدد؛ فالمسلمون، وغالبيتهم من العرقية الملايوية، يحتفلون في بلد تعيش فيه أيضا مكونات صينية وهندية وقبائل أصيلة، لكل منها تقويمه ومناسباته. ولهذا لا يأتي عيد الأضحى هذا العام منفردا في المشهد الماليزي؛ ففي 30 و31 مايو، تحتفل ولاية صباح، الواقعة شرق ماليزيا، بمهرجان “كاماتان” وهو عيد حصاد تقليدي لدى قبائل “كادازان دوسون” إحدى قبائل السكان الأصليين هناك. وفي 31 مايو، يحيي البوذيون يوم “ويساك” ويبرز خصوصا بين المواطنين من أصول صينية. ثم تحتفل ولاية سراواك، في شرق ماليزيا أيضا، بيوم “غاواي” في 1 و2 يونيو، وهو عيد حصاد لقبائل “داياك”. ويتزامن ذلك مع عيد الميلاد الرسمي لملك ماليزيا في 1 يونيو، لتتحول المناسبات إلى عطلة رسمية ممتدة تقارب أسبوعا كاملا. هذا التداخل لا يصنع مشهدا ثقافيا فقط، بل يحرّك السوق أيضا؛ فالعائلات العائدة للعيد، وزوار المعابد، والمحتفلون بالحصاد، والمسافرون في العطلات المدرسية، يضغطون معا على الطرق والحافلات والقطارات والطيران الداخلي. وما يبدو زحاما عاديا يتحول اقتصاديا إلى إنفاق سريع على الوقود والمطاعم والفنادق والأسواق المحلية. لكن هذه الدورة المحلية لا تتحرك في فراغ؛ فالحرب والتوترات في الشرق الأوسط أعادت مضيق هرمز إلى الحسابات الآسيوية، باعتباره ممرا رئيسا لصادرات الطاقة الخليجية نحو آسيا. لذلك لا تنظر ماليزيا إلى اضطراب المنطقة كخبر خارجي بعيد، بل كعامل قد يؤثر في كلفة الطاقة وسلاسل الإمداد. ومن هنا يصبح أثر الحرب غير مباشر لكنه حاضر في الحياة اليومية؛ فالعائلة التي تسافر في العيد لا تتابع بالضرورة خرائط الملاحة، لكنها قد تشعر بالنتائج حين ترتفع أسعار التذاكر أو الوقود أو بعض السلع، بعد أن ينتقل الضغط من الأسواق العالمية إلى ميزانية البيت. لذلك لا تلغي فرحة العيد سؤال الكلفة؛ فالأسرة التي تسافر تحتاج إلى ميزانية، لا إلى نية طيبة فقط. ومع ارتفاع كلفة المعيشة، يصبح الإنفاق الرشيد جزءا من إدارة العيد، لا نقيضا له؛ عبر ترتيب الأولويات، ومقارنة الأسعار، والاحتفاظ بهامش مالي للطوارئ. في النهاية، تكشف أعياد ماليزيا أن الفرح لا ينفصل عن الاقتصاد؛ فما يبدأ بصلاة عيد الأضحى وزيارات العائلات، يمتد إلى طرق وفنادق وأسعار تتأثر بالطاقة ومضيق هرمز، لتكتمل بهجة العيد حين تُدار الحركة جيدا، وتفرح الأسرة من دون إنهاك. وكل عام وأنتم بخير!
*صحافي وكاتب إندونيسي، مهتم بشؤون
منطقة جنوب شرق آسيا، مقيم في كوالالمبور