عندما تتحول مساعدة الآباء في التعليم الرقمي إلى فخ مهني

| نعيمة الحسيني

لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬الأسرة‭ ‬تؤدي‭ ‬دوراً‭ ‬مهمًا‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬مسيرة‭ ‬أبنائها‭ ‬التعليمية‭ ‬طوال‭ ‬مراحل‭ ‬تعليمهم،‭ ‬لكن‭ ‬التعليم‭ ‬والعمل‭ ‬من‭ ‬المنزل‭ ‬أضافا‭ ‬تحديات‭ ‬جديدة‭ ‬وأعباء‭ ‬إضافية‭ ‬على‭ ‬الأسر‭. ‬إن‭ ‬مشهد‭ ‬الآباء‭ ‬وهم‭ ‬يتجمعون‭ ‬خلف‭ ‬شاشات‭ ‬منازلهم‭ ‬أو‭ ‬أماكن‭ ‬عملهم،‭ ‬محاولين‭ ‬التغلب‭ ‬على‭ ‬العقبات‭ ‬التقنية‭ ‬أو‭ ‬شرح‭ ‬الدروس،‭ ‬لهو‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬حبهم‭ ‬ورغبتهم‭ ‬في‭ ‬الارتقاء‭ ‬بأبنائهم‭ ‬إلى‭ ‬أعلى‭ ‬مستويات‭ ‬التحصيل‭ ‬العلمي‭. ‬

لكن‭ ‬وراء‭ ‬هذا‭ ‬الدعم‭ ‬المشروع،‭ ‬ثمة‭ ‬خط‭ ‬رفيع‭ ‬بدأ‭ ‬يتلاشى‭ ‬تدريجيًا؛‭ ‬فقد‭ ‬دفع‭ ‬حماس‭ ‬بعض‭ ‬الآباء‭ ‬إلى‭ ‬القيام‭ ‬بالواجبات‭ ‬المنزلية‭ ‬وحتى‭ ‬المساعدة‭ ‬أثناء‭ ‬الامتحانات‭ ‬الرقمية‭ ‬بطرق‭ ‬تجاوزت‭ ‬حدود‭ ‬ما‭ ‬يُعتبر‭ ‬مساعدة‭ ‬“طبيعية”‭. ‬بعض‭ ‬الأسر،‭ ‬إما‭ ‬بدافع‭ ‬تدليل‭ ‬الأبناء‭ ‬أو‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬الطريق‭ ‬الأسهل،‭ ‬أصبحت‭ ‬أكثر‭ ‬تساهلاً‭ ‬بشأن‭ ‬حضور‭ ‬الحصص‭ ‬الدراسية‭ ‬أو‭ ‬إنجاز‭ ‬الواجبات‭ ‬المدرسية،‭ ‬وتتحول‭ ‬المشكلة‭ - ‬دون‭ ‬قصد‭ - ‬من‭ ‬دعم‭ ‬تربوي‭ ‬إلى‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬التضليل‭ ‬الأكاديمي‭ ‬غير‭ ‬المباشر‭. ‬ومن‭ ‬وجهة‭ ‬النظر‭ ‬القانونية،‭ ‬فإن‭ ‬النظام‭ ‬التعليمي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬“شخصية‭ ‬التقييم”،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬الشهادة‭ ‬تمنح‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬الجهد‭ ‬الذهني‭ ‬والمعرفي‭ ‬الذي‭ ‬بذله‭ ‬الطالب‭. ‬وعندما‭ ‬يجتهد‭ ‬الوالدان‭ ‬بدلاً‭ ‬عنه،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬يشوه‭ ‬مستوى‭ ‬الطالب‭ ‬وكفاءته،‭ ‬وتفقد‭ ‬الشهادة‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬قيمتها‭ ‬الاعتبارية‭ ‬كوثيقة‭ ‬لإثبات‭ ‬الكفاءة‭ ‬العلمية‭.‬

الخطر‭ ‬الحقيقي‭ ‬لهذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬المنزل،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬آفاق‭ ‬العمل‭ ‬المستقبلية‭ ‬للخريجين‭. ‬فسوق‭ ‬العمل‭ ‬الحديث،‭ ‬في‭ ‬النهاية،‭ ‬يُولي‭ ‬أهمية‭ ‬أقل‭ ‬للدرجات‭ ‬المكتوبة‭ ‬في‭ ‬الشهادات،‭ ‬وقيمة‭ ‬أكبر‭ ‬للمهارات‭ ‬الفعلية‭ ‬والخبرة‭ ‬العملية‭. ‬وعندما‭ ‬يواجه‭ ‬الخريج‭ ‬اختبارات‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬وظيفة‭ ‬أو‭ ‬مقابلة‭ ‬عمل‭ ‬بمفرده،‭ ‬دون‭ ‬أية‭ ‬مساعدة‭ ‬خارجية،‭ ‬تظهر‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬مستواه‭ ‬الحقيقي‭ ‬والدرجات‭ ‬العالية‭ ‬التي‭ ‬حصل‭ ‬عليها،‭ ‬فيجد‭ ‬نفسه‭ ‬عاجزًا‭ ‬عن‭ ‬المنافسة‭ ‬أو‭ ‬إثبات‭ ‬قدراته.

قد‭ ‬يؤدي‭ ‬الاعتماد‭ ‬المفرط‭ ‬على‭ ‬المساعدة‭ ‬إلى‭ ‬إضعاف‭ ‬مهارات‭ ‬أساسية‭ ‬لدى‭ ‬بعض‭ ‬الطلاب‭ ‬كالثقة‭ ‬بالنفس‭ ‬والتواصل‭ ‬وحل‭ ‬المشكلات،‭ ‬خصوصا‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬التفاعل‭ ‬الحقيقي‭ ‬وتحمل‭ ‬المسؤولية‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬التعلم‭ ‬عن‭ ‬بُعد‭.‬

لذا‭ ‬فإن‭ ‬حماية‭ ‬مستقبل‭ ‬الطالب‭ ‬لا‭ ‬تتحقق‭ ‬بصنع‭ ‬نجاح‭ ‬وهمي،‭ ‬بل‭ ‬بإعداده‭ ‬للاعتماد‭ ‬على‭ ‬ذاته‭ ‬والتعلم‭ ‬من‭ ‬أخطائه‭. ‬لذا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يقتصر‭ ‬دور‭ ‬الأهل‭ ‬على‭ ‬الدعم‭ ‬اللوجستي‭ ‬والإشراف‭ ‬والتوجيه‭ ‬النفسي‭ ‬والعاطفي‭ ‬لا‭ ‬القيام‭ ‬بالأعمال‭ ‬وحل‭ ‬المشكلات‭ ‬نيابةً‭ ‬عن‭ ‬الطالب،‭ ‬إن‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬علامة‭ ‬متوسطة‭ ‬كطالب‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬جهده‭ ‬أفضل‭ ‬دائمًا‭ ‬قانونيًا‭ ‬ومهنيًا‭ ‬من‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬تقدير‭ ‬زائف‭ ‬قد‭ ‬يتبدد‭ ‬مع‭ ‬أول‭ ‬اختبار‭ ‬حقيقي‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭. ‬

لتجاوز‭ ‬هذا‭ ‬المأزق‭ ‬يُقترح‭ ‬إدخال‭ ‬تقييمات‭ ‬دورية‭ ‬حضورية‭ ‬في‭ ‬المدارس‭ ‬أو‭ ‬المراكز‭ ‬التعليمية‭ ‬لفصل‭ ‬مرونة‭ ‬التعلم‭ ‬عن‭ ‬بُعد‭ ‬عن‭ ‬دقة‭ ‬الامتحانات‭ ‬المباشرة،‭ ‬حيث‭ ‬يسهم‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬مصداقية‭ ‬الشهادات‭ ‬وتعزيز‭ ‬العدالة‭ ‬التعليمية‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬تنمية‭ ‬المهارات‭ ‬الحقيقية‭ ‬للطلاب،‭ ‬والتي‭ ‬سيحتاجونها‭ ‬في‭ ‬حياتهم‭ ‬المهنية‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭.‬

ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬المستقبل‭ ‬على‭ ‬الشهادات‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬لديه‭ ‬المهارة‭ ‬الفعلية‭ ‬لتحقيق‭ ‬النجاحات‭.‬

 

كاتبة‭ ‬وأكاديمية‭ ‬بحرينية‭ ‬