لجان المراجعة: ضربتان في الرأس توجع

| د. إحسان علي بوحليقة

أيامٌ‭ ‬معدودة‭ ‬هي‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬إدانات‭ ‬لأعضاء‭ ‬مجلس‭ ‬إدارة‭ ‬ولجنة‭ ‬مراجعة‭ ‬في‭ ‬شركتين‭ ‬مدرجتين‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬السعودية‭. ‬لن‭ ‬أتحدث‭ ‬عن‭ ‬التفاصيل،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬نقطة‭ ‬محددة‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تُفحص‭ ‬وتُمَحَص‭ ‬على‭ ‬أساسها‭ ‬عضوية‭ ‬لجان‭ ‬المراجعة‭ ‬كافة‭ ‬في‭ ‬الشركات‭ ‬المدرجة‭ ‬دونما‭ ‬استثناء،‭ ‬التي‭ ‬تحت‭ ‬ولاية‭ ‬السوق‭ ‬المالية‭.‬

وهذه‭ ‬النقطة‭ ‬تحديدا‭ ‬هي‭ ‬الالتزام‭ ‬التزاماً‭ ‬حذافيرياً‭ ‬بمعايير‭ ‬الاستقلالية‭ ‬لأعضاء‭ ‬لجان‭ ‬المراجعة‭ ‬المنبثقة‭ ‬عن‭ ‬مجالس‭ ‬إدارة‭ ‬الشركات‭ ‬المدرجة،‭ ‬ولاسيما‭ -‬وضع‭ ‬ما‭ ‬يحلو‭ ‬لك‭ ‬من‭ ‬خطوط‭ ‬تحت‭ ‬كلمة‭ ‬“لاسيما”‭- ‬الشركات‭ ‬التي‭ ‬ولدت‭ ‬من‭ ‬رحم‭ ‬الشركات‭ ‬العائلية،‭ ‬وسأبين‭ ‬لماذا‭ ‬في‭ ‬الفقرات‭ ‬التالية،‭ ‬فالاستقلالية‭ ‬التامة‭ ‬للجنة‭ ‬المراجعة‭ ‬في‭ ‬الشركة‭ ‬المساهمة‭ ‬المدرجة‭ ‬تشكل‭ ‬إحدى‭ ‬الركائز‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬تضمن‭ ‬فعالية‭ ‬اللجنة‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬دورها‭ ‬بموضوعية‭ ‬وحيادية‭ ‬تامة،‭ ‬ثم‭ ‬أن‭ ‬الامر‭ ‬يتجاوز‭ ‬الشركة‭ ‬بأن‭ ‬قيام‭ ‬لجان‭ ‬المراجعة‭ ‬في‭ ‬الشركات‭ ‬المدرجة‭ ‬بواجبها‭ ‬على‭ ‬أتم‭ ‬وجه‭ ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬العوامل‭ ‬المؤثرة‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬المالية‭ ‬ورفع‭ ‬سمعتها‭ ‬محلياً‭ ‬واقليمياً‭ ‬وعالمياً‭.‬

للنظر‭ ‬إلى‭ ‬أفضل‭ ‬الممارسات‭ -‬وليس‭ ‬التنظيرات‭ ‬بل‭ ‬الممارسات‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬عليه‭ ‬العمل،‭ ‬فوفق‭ ‬أفضل‭ ‬الممارسات‭ ‬الدولية‭ ‬المعتمدة‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬منظمة‭ ‬التعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتنمية‭ (‬OECD‭)‬،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أعضاء‭ ‬اللجنة‭ ‬مستقلين‭ ‬تماماً‭ ‬عن‭ ‬الإدارة‭ ‬التنفيذية،‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬أي‭ ‬منهم‭: ‬موظفاً‭ ‬تنفيذياً‭ ‬في‭ ‬الشركة‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬شركاتها‭ ‬التابعة،‭ ‬وألا‭ ‬يكون‭ ‬قد‭ ‬شغل‭ ‬أي‭ ‬وظيفة‭ ‬تنفيذية‭ ‬لديها‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الثلاث‭ ‬السابقة‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬كما‭ ‬يُشترط‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬أي‭ ‬علاقات‭ ‬مالية‭ ‬أو‭ ‬تجارية‭ ‬جوهرية‭ (‬Material‭)  ‬مع‭ ‬الشركة‭ ‬أو‭ ‬إدارتها،‭ ‬مثل‭ ‬تلقي‭ ‬أي‭ ‬تعويضات‭ ‬إضافية‭ ‬بخلاف‭ ‬أتعاب‭ ‬العضوية‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬ولجنة‭ ‬المراجعة‭.‬

ليس‭ ‬هذا‭ ‬فحسب،‭ ‬وهنا‭ ‬تأتي‭ ‬نقطة‭ ‬الصلات‭ ‬العائلية،‭ ‬إذ‭ ‬يمتد‭ ‬مفهوم‭ ‬الاستقلالية‭ ‬ليشمل‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬علاقات‭ ‬عائلية‭ ‬قريبة‭ (‬كالزوج‭ ‬أو‭ ‬الزوجة‭ ‬أو‭ ‬الأولاد‭ ‬أو‭ ‬الوالدين‭ ‬أو‭ ‬الإخوة‭) ‬مع‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬المديرين‭ ‬التنفيذيين‭ ‬أو‭ ‬كبار‭ ‬الموظفين‭ ‬أو‭ ‬المراجع‭ ‬الخارجي‭. ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬يتعين‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الأعضاء‭ ‬مستقلين‭ ‬تماماً‭ ‬عن‭ ‬المراجع‭ ‬الخارجي،‭ ‬وذلك‭ ‬بعدم‭ ‬وجود‭ ‬أي‭ ‬علاقة‭ ‬سابقة‭ ‬أو‭ ‬حالية‭ ‬مع‭ ‬مكتب‭ ‬المراجعة‭ ‬كشريك‭ ‬أو‭ ‬موظف‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الثلاث‭ ‬الماضية،‭ ‬وعدم‭ ‬وجود‭ ‬أي‭ ‬مصلحة‭ ‬مالية‭ ‬مباشرة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مباشرة‭ ‬فيه.

‭ ‬أما‭ ‬الاستقلالية‭ ‬العامة‭ ‬فتقتضي‭ ‬عدم‭ ‬انتماء‭ ‬العضو‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬جهة‭ ‬تمارس‭ ‬سيطرة‭ ‬جوهرية‭ ‬على‭ ‬الشركة،‭ ‬وعدم‭ ‬وجود‭ ‬أي‭ ‬تعارض‭ ‬مصالح‭ ‬شخصي‭ ‬أو‭ ‬مهني‭ ‬قد‭ ‬يؤثر‭ ‬على‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬الحكم‭ ‬الموضوعي‭.  ‬وهنا،‭ ‬وحتى‭ ‬نصبح‭ ‬عمليين،‭ ‬على‭ ‬هيئة‭ ‬السوق‭ ‬المالية‭ ‬أن‭ ‬تطبق‭ ‬هذه‭ ‬المعايير‭ ‬على‭ ‬اللجان‭ ‬القائمة‭ ‬حالياً،‭ ‬وتقصي‭ ‬الاستقلالية‭ ‬العميقة‭  ‬لتجنب‭ ‬أي‭ ‬شبهة‭ ‬وإلا‭ ‬وقع‭ ‬المحذور‭.‬

وكما‭ ‬هو‭ ‬ملاحظ‭ ‬ومشاهد،‭ ‬فعواقب‭ ‬عدم‭ ‬استقلالية‭ ‬لجنة‭ ‬المراجعة‭ ‬جسيمة‭ ‬ومتعددة‭ ‬الأبعاد‭. ‬إذ‭ ‬يؤدي‭ ‬غياب‭ ‬الاستقلالية‭ ‬إلى‭ ‬ضعف‭ ‬الإشراف‭ ‬على‭ ‬التقرير‭ ‬المالي،‭ ‬مما‭ ‬يرفع‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ‭ ‬مخاطر‭ ‬الأخطاء‭ ‬المادية‭ ‬أو‭ ‬الاحتيال،‭ ‬وقد‭ ‬يترتب‭ ‬عليه‭ ‬فقدان‭ ‬ثقة‭ ‬المستثمرين‭ ‬والسوق،‭ ‬وهنا‭ ‬يكمن‭ ‬المحذور‭ ‬الكبير،‭ ‬فالحفاظ‭ ‬على‭ ‬سمعة‭ ‬السوق‭ ‬وتحصينه‭ ‬من‭ ‬أية‭ ‬شبهة‭ ‬ضعف‭ ‬الالتزام‭ ‬ينعكس‭ ‬سلباً‭ ‬على‭ ‬اقبال‭ ‬المستثمرين‭ ‬داخلياً‭ ‬وخارجياً‭ ‬وبما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬تردد‭ ‬المستثمرين‭ ‬المؤسسين‭ ‬وبالتالي‭ ‬انحسار‭ ‬تدفقات‭ ‬الاستثمار‭ ‬الأجنبي‭ ‬المباشر‭(‬FDI‭)  ‬أو‭ ‬الاستثمار‭ ‬الأجنبي‭ ‬في‭ ‬المحافظ‭ ‬الاستثمارية‭ (‬FPI‭).‬

ردع‭ ‬هذه‭ ‬المخاطر‭ ‬يستوجب‭ ‬اتخاذ‭ ‬إجراءين‭: ‬1‭. ‬وقائي‭: ‬وهو‭ ‬التفحص‭ ‬الدائم‭ ‬لهيكلة‭ ‬لجان‭ ‬المراجعة‭ ‬وأهلية‭ ‬أعضائها،‭ ‬وفق‭ ‬أفضل‭ ‬الممارسات،‭ ‬كما‭ ‬سبقت‭ ‬الإشارة‭. ‬2‭. ‬علاجي‭: ‬وهو‭ ‬فرض‭ ‬الجهات‭ ‬الرقابية‭ ‬عقوبات‭ ‬مالية‭ ‬رادعة‭ ‬على‭ ‬الشركة‭ ‬وعلى‭ ‬الأعضاء‭ ‬أنفسهم،‭ ‬لتصل‭ ‬في‭ ‬الحالات‭ ‬المتكررة‭ ‬أو‭ ‬الجسيمة‭ ‬إلى‭ ‬شطب‭ ‬أسهم‭ ‬الشركة‭ ‬من‭ ‬التداول‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬المالية‭. ‬

ومن‭ ‬الناحية‭ ‬القانونية،‭ ‬يتعرض‭ ‬الأعضاء‭ ‬غير‭ ‬المستقلين‭ ‬لدعاوى‭ ‬قضائية‭ ‬شخصية‭ ‬بتهمة‭ ‬الإخلال‭ ‬بالواجب‭ ‬الائتماني‭ (‬Fiduciary Duty‭)‬،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬الإضرار‭ ‬بالسمعة‭ ‬التجارية‭ ‬للشركة،‭ ‬مما‭ ‬يؤثر‭ ‬سلباً‭ ‬على‭ ‬قيمة‭ ‬أسهمها‭ ‬وبالتالي‭ ‬على‭ ‬المساهمين،‭ ‬وعلى‭ ‬علاقاتها‭ ‬مع‭ ‬المؤسسات‭ ‬التمويلية‭ ‬والجهات‭ ‬المتعاملة‭ ‬معها‭.‬

من‭ ‬واقع‭ ‬خبرة‭ ‬تزيد‭ ‬على‭ ‬ثلاثين‭ ‬عاماً‭ ‬في‭ ‬لجان‭ ‬المراجعة،‭ ‬ووفقاً‭ ‬لمعايير‭ ‬الحوكمة‭ ‬المؤسسية،‭ ‬فيجب‭ ‬على‭ ‬لجنة‭ ‬الترشيحات‭ ‬أو‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬إجراء‭ ‬تقييم‭ ‬سنوي‭ ‬صارم‭ ‬لاستقلالية‭ ‬كل‭ ‬عضو‭. ‬إذ‭ ‬يُفضل‭ ‬أن‭ ‬تتكون‭ ‬الأغلبية‭ ‬الساحقة‭ ‬من‭ ‬أعضاء‭ ‬اللجنة‭ ‬من‭ ‬المستقلين‭ ‬تماماً‭ (‬Majority Independent‭)‬،‭ ‬وأن‭ ‬يكون‭ ‬رئيس‭ ‬اللجنة‭ ‬مستقلاً‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭. ‬وفي‭ ‬حال‭ ‬وقوع‭ ‬أي‭ ‬خرق‭ ‬لهذه‭ ‬المعايير،‭ ‬يجب‭ ‬الإفصاح‭ ‬عنه‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬الحوكمة‭ ‬السنوي‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬مصداقية‭ ‬الشركة‭ ‬وثقة‭ ‬السوق‭. ‬

مؤسس‭ ‬مركز‭ ‬جواثا‭ ‬الاستشاري