بين وهم ولاية الفقيه المطلقة وحقيقة الوطن والسيادة

| عيسى عبدالرحمن الحمادي

إن‭ ‬الدول‭ ‬لا‭ ‬تقام‭ ‬بجلبة‭ ‬الحناجر،‭ ‬ولا‭ ‬تصان‭ ‬بصليل‭ ‬الشعارات،‭ ‬ولكنها‭ ‬تبنى‭ ‬إذا‭ ‬رسخ‭ ‬العقل،‭ ‬واستقام‭ ‬العدل،‭ ‬واجتمع‭ ‬الناس‭ ‬على‭ ‬معنى‭ ‬الوطن؛‭ ‬فالوطن‭ ‬دار‭ ‬سكينة‭ ‬لا‭ ‬ساحة‭ ‬فتنة،‭ ‬وموضع‭ ‬عمران‭ ‬لا‭ ‬موقد‭ ‬نيران‭. ‬وما‭ ‬ابتليت‭ ‬أمة‭ ‬بأشد‭ ‬من‭ ‬قوم‭ ‬جعلوا‭ ‬العقيدة‭ ‬مطية‭ ‬ووسيلة‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬السلطة‭ ‬السياسية،‭ ‬والقداسة‭ ‬جسرا‭ ‬للتغلب،‭ ‬حتى‭ ‬صارت‭ ‬الدولة‭ ‬خادمة‭ ‬للفكرة،‭ ‬لا‭ ‬الفكرة‭ ‬خادمة‭ ‬للإنسان،‭ ‬وصار‭ ‬المواطن‭ ‬وقودا‭ ‬لمعارك‭ ‬لم‭ ‬يخترها،‭ ‬وثمنا‭ ‬لأوهام‭ ‬لم‭ ‬يجن‭ ‬منها‭ ‬إلا‭ ‬الفاقة‭ ‬والخوف‭ ‬والحرمان‭.‬

وكانت‭ ‬إيران‭ ‬قبل‭ ‬استيلاء‭ ‬“الملالي”‭ ‬قد‭ ‬عرفت‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬معاني‭ ‬النهوض‭ ‬واتساع‭ ‬العمران؛‭ ‬فامتد‭ ‬فيها‭ ‬البنيان،‭ ‬واتسع‭ ‬التعليم،‭ ‬وانتظمت‭ ‬بعض‭ ‬مرافق‭ ‬الإدارة،‭ ‬وسعت‭ ‬الدولة‭ ‬إلى‭ ‬تحديث‭ ‬اقتصادها‭ ‬ومؤسساتها‭. ‬فلما‭ ‬غلبت‭ ‬الثورة‭ ‬على‭ ‬الدولة،‭ ‬والولاية‭ ‬على‭ ‬الوطن،‭ ‬تبدل‭ ‬المسير‭ ‬وانحرف‭ ‬المصير؛‭ ‬فصارت‭ ‬عمارة‭ ‬الداخل‭ ‬تابعة‭ ‬لإشعال‭ ‬الخارج،‭ ‬وصار‭ ‬بناء‭ ‬الإنسان‭ ‬دون‭ ‬بناء‭ ‬الأذرع‭ ‬والأتباع،‭ ‬وغدا‭ ‬الجار‭ ‬خصما،‭ ‬والحليف‭ ‬السابق‭ ‬عائقا،‭ ‬والحدود‭ ‬الوطنية‭ ‬حجابا‭ ‬ينبغي‭ ‬تمزيقه‭ ‬باسم‭ ‬الرسالة‭. ‬وما‭ ‬من‭ ‬دولة‭ ‬تنفق‭ ‬عقلها‭ ‬ومالها‭ ‬في‭ ‬تصدير‭ ‬الاضطراب‭ ‬إلا‭ ‬عادت‭ ‬فقيرة‭ ‬في‭ ‬داخلها،‭ ‬مضطربة‭ ‬في‭ ‬خارجها‭.‬

ولم‭ ‬تكن‭ ‬العلة‭ ‬في‭ ‬أصل‭ ‬ولاية‭ ‬فقهية‭ ‬جزئية‭ ‬عرفها‭ ‬بعض‭ ‬الفقهاء‭ ‬في‭ ‬أبواب‭ ‬محدودة‭ ‬محلية‭ ‬لا‭ ‬عابرة‭ ‬للحدود‭ ‬ولسيادة‭ ‬الدول،‭ ‬كالقضاء،‭ ‬ورعاية‭ ‬الأوقاف،‭ ‬وشؤون‭ ‬القصر‭ ‬ومن‭ ‬لا‭ ‬ولي‭ ‬لهم،‭ ‬وبعض‭ ‬مصالح‭ ‬الناس؛‭ ‬فتلك‭ ‬ولاية‭ ‬مقيدة،‭ ‬لا‭ ‬سلطانا‭ ‬فوق‭ ‬الدساتير،‭ ‬ولا‭ ‬حكما‭ ‬فوق‭ ‬المؤسسات،‭ ‬ولا‭ ‬راية‭ ‬عابرة‭ ‬للأوطان‭. ‬وإنما‭ ‬كان‭ ‬الخلل‭ ‬حين‭ ‬جاء‭ ‬الخميني‭ ‬فوسع‭ ‬المحدود‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬مطلقا،‭ ‬وجعل‭ ‬الفقيه‭ ‬فوق‭ ‬الدولة،‭ ‬والسياسة‭ ‬فوق‭ ‬المواطنة،‭ ‬وربط‭ ‬جماعات‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬شتى‭ ‬بمركز‭ ‬سياسي‭ ‬خارج‭ ‬أوطانها؛‭ ‬فاختلط‭ ‬الديني‭ ‬بالسلطاني،‭ ‬والروحي‭ ‬بالحزبي،‭ ‬والإيمان‭ ‬بالارتهان‭. ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬خطأ‭ ‬جسيما‭ ‬آن‭ ‬أوان‭ ‬تصحيحه،‭ ‬لا‭ ‬بالمساس‭ ‬بعقيدة،‭ ‬ولا‭ ‬بمنع‭ ‬شعيرة،‭ ‬بل‭ ‬برد‭ ‬السياسة‭ ‬إلى‭ ‬الدولة،‭ ‬والدين‭ ‬إلى‭ ‬طهره،‭ ‬والمواطن‭ ‬إلى‭ ‬وطنه‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬الباب‭ ‬دخلت‭ ‬تجارة‭ ‬الوهم؛‭ ‬فباع‭ ‬أقطاب‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬أتباعهم‭ ‬مدائن‭ ‬فاضلة‭ ‬من‭ ‬دخان،‭ ‬ووعدوهم‭ ‬بعدل‭ ‬لا‭ ‬يشيخ،‭ ‬ورخاء‭ ‬لا‭ ‬ينقطع،‭ ‬وكرامة‭ ‬لا‭ ‬تمس،‭ ‬ثم‭ ‬لم‭ ‬يبق‭ ‬من‭ ‬المدائن‭ ‬إلا‭ ‬السراب،‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬الوعود‭ ‬إلا‭ ‬الخيبة؛‭ ‬فلا‭ ‬قرية‭ ‬عمرت،‭ ‬ولا‭ ‬مدرسة‭ ‬ازدهرت،‭ ‬ولا‭ ‬معيشة‭ ‬تحسنت،‭ ‬بل‭ ‬بقي‭ ‬الفقير‭ ‬أفقر،‭ ‬والضعيف‭ ‬أضعف،‭ ‬والتابع‭ ‬أشد‭ ‬تبعية‭. ‬وكان‭ ‬المال‭ ‬في‭ ‬أصله‭ ‬يجمع‭ ‬للفقراء‭ ‬والمساكين،‭ ‬ويقصد‭ ‬به‭ ‬جبر‭ ‬الكسر‭ ‬وستر‭ ‬العوز،‭ ‬فلما‭ ‬استولى‭ ‬المؤدلجون‭ ‬على‭ ‬الدين‭ ‬حولوا‭ ‬القداسة‭ ‬إلى‭ ‬جباية،‭ ‬والعاطفة‭ ‬إلى‭ ‬تجارة‭.‬

ولم‭ ‬يكتفوا‭ ‬بأتباع‭ ‬الداخل‭ ‬الإيراني،‭ ‬بل‭ ‬مدوا‭ ‬أيديهم‭ ‬إلى‭ ‬أتباع‭ ‬الخارج،‭ ‬يأخذون‭ ‬باسم‭ ‬الدين‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬بعيد‭ ‬عن‭ ‬روح‭ ‬الدين،‭ ‬ويستدرون‭ ‬الدموع‭ ‬باسم‭ ‬المظلومية،‭ ‬ويوهمون‭ ‬الناس‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يدفع‭ ‬إنما‭ ‬يدفع‭ ‬لبناء‭ ‬مجتمع‭ ‬الفضيلة،‭ ‬فإذا‭ ‬المال‭ ‬لا‭ ‬يبلغ‭ ‬فقيرا،‭ ‬ولا‭ ‬يقيم‭ ‬مدرسة،‭ ‬ولا‭ ‬يعمر‭ ‬قرية،‭ ‬بل‭ ‬يمضي‭ ‬إلى‭ ‬جيوب‭ ‬متخمة‭ ‬في‭ ‬طهران،‭ ‬وإلى‭ ‬شبكات‭ ‬نفوذ‭ ‬وولاء،‭ ‬فيما‭ ‬يربح‭ ‬الناس‭ ‬فقرا،‭ ‬ويربح‭ ‬المتخمون‭ ‬مالا‭ ‬وسلطانا‭. ‬ثم‭ ‬صدر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬المال‭ ‬ما‭ ‬صدر،‭ ‬لا‭ ‬لبناء‭ ‬وطن،‭ ‬بل‭ ‬لهدم‭ ‬أوطان،‭ ‬ولا‭ ‬لإغاثة‭ ‬محتاج،‭ ‬بل‭ ‬لإقامة‭ ‬جماعات‭ ‬مسلحة،‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬الإرهاب‭ ‬صناعة‭ ‬تدار،‭ ‬والولاء‭ ‬سوقا‭ ‬يشترى‭ ‬ويباع،‭ ‬وكأن‭ ‬المنتج‭ ‬القومي‭ ‬لذلك‭ ‬النظام‭ ‬ليس‭ ‬علما‭ ‬ولا‭ ‬صناعة‭ ‬ولا‭ ‬عمرانا،‭ ‬وإنما‭ ‬الإرهاب‭ ‬والكباب؛‭ ‬هذا‭ ‬يملأ‭ ‬البطون‭ ‬هناك،‭ ‬وذاك‭ ‬يحرق‭ ‬الأوطان‭. ‬واليوم‭ ‬آن‭ ‬للعقلاء‭ ‬أن‭ ‬يعيدوا‭ ‬الأمور‭ ‬إلى‭ ‬نصابها،‭ ‬وأن‭ ‬يفرقوا‭ ‬بين‭ ‬حق‭ ‬الإنسان‭ ‬المقدس‭ ‬في‭ ‬عبادته‭ ‬وشعائره،‭ ‬وبين‭ ‬تحويله‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬سياسية‭ ‬تدار‭ ‬من‭ ‬عاصمة‭ ‬أجنبية؛‭ ‬فليس‭ ‬في‭ ‬حب‭ ‬الوطن‭ ‬ما‭ ‬يناقض‭ ‬الإيمان،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬الانتماء‭ ‬للدولة‭ ‬ما‭ ‬يطعن‭ ‬في‭ ‬التدين؛‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬هي‭ ‬المظلة‭ ‬التي‭ ‬تحمي‭ ‬المسجد‭ ‬والمأتم‭ ‬والكنيسة،‭ ‬وتصون‭ ‬الشعيرة‭ ‬والمعيشة،‭ ‬وتحفظ‭ ‬الأمن‭ ‬والكرامة‭. ‬وليس‭ ‬المطلوب‭ ‬أن‭ ‬يترك‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬دينهم،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬يترك‭ ‬الدين‭ ‬من‭ ‬سلطة‭ ‬السياسة‭ ‬الأجنبية،‭ ‬وأن‭ ‬يعود‭ ‬الجميع‭ ‬إلى‭ ‬دولهم‭ ‬الوطنية‭ ‬مواطنين‭ ‬مخلصين،‭ ‬لهم‭ ‬ما‭ ‬لغيرهم‭ ‬من‭ ‬حق،‭ ‬وعليهم‭ ‬ما‭ ‬على‭ ‬غيرهم‭ ‬من‭ ‬واجب،‭ ‬بلا‭ ‬وصاية‭ ‬عابرة،‭ ‬ولا‭ ‬إمرة‭ ‬غريبة،‭ ‬ولا‭ ‬ولاء‭ ‬يزاحم‭ ‬ولاء‭ ‬الوطن‭.‬

وقد‭ ‬عانت‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬كما‭ ‬عانى‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬من‭ ‬تيارات‭ ‬مؤدلجة،‭ ‬يسارية‭ ‬حينا،‭ ‬ودينية‭ ‬مسيسة‭ ‬حينا،‭ ‬جعلت‭ ‬الشعوب‭ ‬حطبا‭ ‬لنظريات‭ ‬لا‭ ‬تشبع‭ ‬جائعا‭ ‬ولا‭ ‬تؤمن‭ ‬خائفا،‭ ‬وسعت‭ ‬إلى‭ ‬نقل‭ ‬الأوطان‭ ‬من‭ ‬سكينة‭ ‬الدولة‭ ‬إلى‭ ‬فوضى‭ ‬الجماعة،‭ ‬ومن‭ ‬نظام‭ ‬الوطن‭ ‬إلى‭ ‬شريعة‭ ‬السلاح؛‭ ‬فجاءت‭ ‬محاولات‭ ‬التخريب‭ ‬والانقلاب،‭ ‬وتهريب‭ ‬السلاح‭ ‬والمتفجرات،‭ ‬وتدريب‭ ‬العناصر‭ ‬الإرهابية،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬البحرين‭ ‬وقفت‭ ‬وقفة‭ ‬الراسخ‭ ‬لا‭ ‬المرتجف،‭ ‬وسدت‭ ‬بثباتها‭ ‬ما‭ ‬أرادوا‭ ‬فتحه‭ ‬من‭ ‬أبواب‭ ‬الفتنة،‭ ‬وكان‭ ‬رجالاتها‭ ‬الوطنيون،‭ ‬ومؤسساتها‭ ‬الأمنية‭ ‬والمدنية،‭ ‬ووعي‭ ‬شعبها،‭ ‬سورا‭ ‬لا‭ ‬يثلم‭ ‬وبنيانا‭ ‬لا‭ ‬يهدم‭. ‬فقد‭ ‬علم‭ ‬الوطنيون‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬إذا‭ ‬انكسرت‭ ‬ضاعت‭ ‬الحقوق،‭ ‬وإذا‭ ‬سقط‭ ‬الوطن‭ ‬لم‭ ‬يبق‭ ‬للناس‭ ‬إلا‭ ‬الخوف،‭ ‬وأن‭ ‬الأمن‭ ‬ليس‭ ‬قيدا‭ ‬على‭ ‬الحياة،‭ ‬بل‭ ‬شرط‭ ‬للحياة‭.‬

ووجد‭ ‬مشروع‭ ‬“الملالي”‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬من‭ ‬السياسة‭ ‬الغربية‭ ‬من‭ ‬يهون‭ ‬خطره‭ ‬أو‭ ‬يفتح‭ ‬له‭ ‬الطريق،‭ ‬من‭ ‬زمن‭ ‬كارتر‭ ‬إلى‭ ‬زمن‭ ‬أوباما‭ ‬وما‭ ‬شهده‭ ‬العام‭ ‬2011،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتشكل‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬أخرى،‭ ‬موقف‭ ‬أصلب‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬تهديد‭ ‬الأمن،‭ ‬وحماية‭ ‬حرية‭ ‬التجارة‭ ‬بين‭ ‬الأمم،‭ ‬وصيانة‭ ‬الممرات،‭ ‬وترسيخ‭ ‬الاستقرار‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يقوم‭ ‬نمو‭ ‬اقتصادي‭ ‬عالمي‭ ‬من‭ ‬دونه؛‭ ‬فالأسواق‭ ‬لا‭ ‬تزدهر‭ ‬مع‭ ‬الجماعات‭ ‬المسلحة،‭ ‬والبحار‭ ‬لا‭ ‬تأمن‭ ‬مع‭ ‬الفوضى،‭ ‬والتجارة‭ ‬لا‭ ‬تستقيم‭ ‬إذا‭ ‬صار‭ ‬الإرهاب‭ ‬سياسة،‭ ‬والاضطراب‭ ‬صناعة‭.‬

وفي‭ ‬مقابل‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬الوهم‭ ‬دولة،‭ ‬والولاء‭ ‬العابر‭ ‬وطنا،‭ ‬والفتنة‭ ‬سياسة،‭ ‬نهضت‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬بنموذج‭ ‬آخر،‭ ‬جعل‭ ‬الدولة‭ ‬مظلة،‭ ‬والمواطنة‭ ‬رابطة،‭ ‬والعمران‭ ‬جوابا‭ ‬على‭ ‬الهدم؛‭ ‬إذ‭ ‬قاد‭ ‬حضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ملك‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬المعظم،‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تحولات‭ ‬إقليمية‭ ‬ودولية‭ ‬دقيقة،‭ ‬إلى‭ ‬رحابة‭ ‬مشروع‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة،‭ ‬ومن‭ ‬اضطراب‭ ‬الشعارات‭ ‬إلى‭ ‬رسوخ‭ ‬المؤسسات؛‭ ‬فكان‭ ‬الميثاق‭ ‬أول‭ ‬العهد،‭ ‬وتحديث‭ ‬الدستور‭ ‬ثاني‭ ‬البناء،‭ ‬وتمكين‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدستورية‭ ‬في‭ ‬التشريع‭ ‬والرقابة‭ ‬ثالث‭ ‬الطريق،‭ ‬ثم‭ ‬جاء‭ ‬تحديث‭ ‬الجهاز‭ ‬التنظيمي‭ ‬والإداري،‭ ‬وتنويع‭ ‬الاقتصاد‭ ‬وتنميته،‭ ‬وإطلاق‭ ‬الرؤية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬لمملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬لتكون‭ ‬الدولة‭ ‬دار‭ ‬عمران‭ ‬لا‭ ‬دار‭ ‬خصام،‭ ‬ومجال‭ ‬مشاركة‭ ‬لا‭ ‬مجال‭ ‬مشاكسة،‭ ‬ومظلة‭ ‬لأبنائها‭ ‬جميعا‭ ‬لا‭ ‬خندقا‭ ‬لفئة‭ ‬دون‭ ‬فئة‭.‬

وهكذا‭ ‬كان‭ ‬المشروع‭ ‬الوطني‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يستوعبه‭ ‬من‭ ‬باع‭ ‬فكره‭ ‬للوهم،‭ ‬واتبع‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬يتبع‭ ‬مصلحة‭ ‬وطنه؛‭ ‬فبدل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬عامل‭ ‬بناء‭ ‬صار‭ ‬معول‭ ‬هدم،‭ ‬وبدل‭ ‬أن‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬المنجز‭ ‬الوطني‭ ‬مكسبا‭ ‬للجميع،‭ ‬جعله‭ ‬مادة‭ ‬للتشكيك‭ ‬والتثبيط؛‭ ‬فالمؤدلج‭ ‬لا‭ ‬يهنأ‭ ‬له‭ ‬استقرار،‭ ‬ولا‭ ‬يطيب‭ ‬له‭ ‬اجتماع؛‭ ‬إن‭ ‬رأى‭ ‬الناس‭ ‬على‭ ‬مصلحة‭ ‬عامة‭ ‬التمس‭ ‬لهم‭ ‬خصومة،‭ ‬وإن‭ ‬رأى‭ ‬الوطن‭ ‬ينهض‭ ‬بالعمران‭ ‬بحث‭ ‬له‭ ‬عن‭ ‬معول‭ ‬خذلان؛‭ ‬لأن‭ ‬عينه‭ ‬لا‭ ‬تبصر‭ ‬الدولة‭ ‬بيتا‭ ‬جامعا،‭ ‬بل‭ ‬تراها‭ ‬خصما‭ ‬لمشروعه‭ ‬العابر‭ ‬للبلدان‭.‬

فشتان‭ ‬بين‭ ‬دولة‭ ‬تجعل‭ ‬المواطن‭ ‬غاية‭ ‬سعيها،‭ ‬ومشروع‭ ‬يجعل‭ ‬الإنسان‭ ‬وقود‭ ‬مطامعه،‭ ‬وبين‭ ‬وطن‭ ‬يبني‭ ‬المدارس‭ ‬والموانئ‭ ‬والمجالس،‭ ‬ومشروع‭ ‬يبني‭ ‬الخنادق‭ ‬والمتاريس‭ ‬والولاءات‭ ‬السرية،‭ ‬وبين‭ ‬نهضة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الحكمة‭ ‬والعمل،‭ ‬وفوضى‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الصياح‭ ‬والجدل‭. ‬إن‭ ‬الدولة‭ ‬شجرة‭ ‬لا‭ ‬تنمو‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬تربة‭ ‬العقل،‭ ‬والفكرة‭ ‬إذا‭ ‬جاوزت‭ ‬حدها‭ ‬صارت‭ ‬نارا‭ ‬تأكل‭ ‬الحقول‭ ‬ثم‭ ‬تأكل‭ ‬أصحابها،‭ ‬ويبقى‭ ‬الوطن‭ ‬وحده‭ ‬هو‭ ‬الملاذ،‭ ‬إذا‭ ‬صدقت‭ ‬النيات،‭ ‬ورسخت‭ ‬المؤسسات،‭ ‬واجتمع‭ ‬الناس‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬العمران‭ ‬خير‭ ‬من‭ ‬الخراب،‭ ‬وأن‭ ‬الدولة‭ ‬العادلة‭ ‬أبقى‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬شعار،‭ ‬وأصدق‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬وهم،‭ ‬وأرحم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ولاية‭ ‬تبيع‭ ‬الناس‭ ‬جنة‭ ‬في‭ ‬الكلام،‭ ‬ثم‭ ‬تورثهم‭ ‬فقرا‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬وخوفا‭ ‬في‭ ‬المصير‭.‬

‭* ‬مستشار‭ ‬شؤون‭ ‬الإعلام‭ ‬بديوان‭ ‬ولي‭ ‬العهد