“تيمور ليستي” اقتصاد فتيّ يبدأ من طبق طفل

| عبدالله بوقس

‭ ‬في‭ ‬تيمور‭ ‬ليستي،‭ ‬الدولة‭ ‬حديثة‭ ‬العهد‭ ‬بالسيادة،‭ ‬قد‭ ‬يبدو‭ ‬طبق‭ ‬الطعام‭ ‬الذي‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬طفل‭ ‬في‭ ‬مدرسة‭ ‬تفصيلًا‭ ‬عاديًّا،‭ ‬لكنه‭ ‬يكشف‭ ‬جانبًا‭ ‬عميقًا‭ ‬من‭ ‬بناء‭ ‬الدولة؛‭ ‬فالأوطان‭ ‬لا‭ ‬تقاس‭ ‬بالأعلام‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬الاستقلال‭ ‬إلى‭ ‬صحة‭ ‬وتعليم‭ ‬وكرامة‭ ‬يومية‭. ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية،‭ ‬تصبح‭ ‬الوجبة‭ ‬المدرسية‭ ‬اقتصادًا‭ ‬فتيًّا‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬الطفل،‭ ‬ثم‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬المدرسة‭ ‬والمزرعة‭ ‬والأسرة‭ ‬والمستقبل‭.‬

احتفلت‭ ‬تيمور‭ ‬ليستي،‭ ‬وعاصمتها‭ ‬ديلي،‭ ‬في‭ ‬العشرين‭ ‬من‭ ‬مايو‭ ‬بذكرى‭ ‬استعادة‭ ‬الاستقلال،‭ ‬وهي‭ ‬مناسبة‭ ‬تعني‭ ‬عودة‭ ‬السيادة‭ ‬المعترف‭ ‬بها‭ ‬دوليًا‭ ‬عام‭ ‬2002،‭ ‬بعد‭ ‬إعلان‭ ‬الاستقلال‭ ‬الأول‭ ‬عام‭ ‬1975،‭ ‬ثم‭ ‬الغزو‭ ‬الإندونيسي،‭ ‬ثم‭ ‬مرحلة‭ ‬انتقالية‭ ‬أدارتها‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬عقب‭ ‬استفتاء‭ ‬عام‭ ‬1999‭. ‬لذلك‭ ‬لا‭ ‬يستعيد‭ ‬هذا‭ ‬اليوم‭ ‬ذاكرة‭ ‬التحرر‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يطرح‭ ‬سؤال‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬السيادة‭: ‬كيف‭ ‬تتحول‭ ‬الدولة‭ ‬المستقلة‭ ‬إلى‭ ‬قدرة‭ ‬عملية‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬الجوع‭ ‬والجهل‭ ‬والهشاشة؟

من‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬يبرز‭ ‬برنامج‭ ‬“ميريندا‭ ‬إسكولار”،‭ ‬أي‭ ‬الوجبات‭ ‬المدرسية‭ ‬باللغة‭ ‬البرتغالية،‭ ‬وهي‭ ‬إحدى‭ ‬اللغات‭ ‬الرسمية‭ ‬في‭ ‬تيمور‭ ‬ليستي‭. ‬وتكمن‭ ‬أهمية‭ ‬البرنامج‭ ‬في‭ ‬أنه‭ ‬يتجاوز‭ ‬فكرة‭ ‬تقديم‭ ‬طبق‭ ‬يومي‭ ‬للتلاميذ،‭ ‬ليصبح‭ ‬سياسة‭ ‬اجتماعية‭ ‬واقتصادية‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬واحد؛‭ ‬فهو‭ ‬يوفر‭ ‬وجبة‭ ‬لنحو‭ ‬292‭ ‬ألف‭ ‬تلميذ‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬دراسي،‭ ‬مع‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬وصفات‭ ‬محلية‭ ‬وموسمية‭ ‬وتدريب‭ ‬للمدارس‭ ‬والطهاة‭ ‬والمزارعين‭. ‬وبذلك‭ ‬يربط‭ ‬المدرسة‭ ‬بالمزرعة،‭ ‬والطفل‭ ‬بالفلاح،‭ ‬والإنفاق‭ ‬العام‭ ‬بدورة‭ ‬إنتاج‭ ‬محلية‭.‬

وتكبر‭ ‬قيمة‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬حين‭ ‬نعرف‭ ‬أن‭ ‬سوء‭ ‬التغذية‭ ‬ليس‭ ‬تفصيلاً‭ ‬صحيًّا‭ ‬في‭ ‬تيمور‭ ‬ليستي،‭ ‬بل‭ ‬عائق‭ ‬اجتماعي‭ ‬أمام‭ ‬المستقبل؛‭ ‬إذ‭ ‬تشير‭ ‬اليونيسف‭ ‬في‭ ‬بياناتها‭ ‬عن‭ ‬البلاد‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نحو‭ ‬طفل‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬طفلين‭ ‬دون‭ ‬الخامسة‭ ‬يعاني‭ ‬التقزم،‭ ‬وأن‭ ‬نحو‭ ‬70‭ % ‬من‭ ‬السكان‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬ريفية،‭ ‬حيث‭ ‬تبقى‭ ‬الخدمات‭ ‬الصحية‭ ‬والموارد‭ ‬الأساسية‭ ‬محدودة‭. ‬لذلك‭ ‬تصبح‭ ‬الوجبة‭ ‬المدرسية‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬معركة‭ ‬أوسع‭ ‬ضد‭ ‬الفقر‭ ‬وضعف‭ ‬التحصيل،‭ ‬لأنها‭ ‬تساعد‭ ‬الطفل‭ ‬على‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬المدرسة،‭ ‬وتحسن‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬التعلم،‭ ‬وتخفف‭ ‬عبئًا‭ ‬يوميًّا‭ ‬عن‭ ‬الأسرة‭.‬

وهنا‭ ‬تظهر‭ ‬الدلالة‭ ‬الأوسع‭ ‬لتجربة‭ ‬تيمور‭ ‬ليستي،‭ ‬العضو‭ ‬الحادي‭ ‬عشر‭ ‬في‭ ‬رابطة‭ (‬آسيان‭). ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تقدم‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬درسًا‭ ‬في‭ ‬المشاريع‭ ‬الضخمة،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬الصغيرة‭ ‬ذات‭ ‬الأثر‭ ‬الطويل‭. ‬ويمكن‭ ‬لدول‭ ‬الخليج،‭ ‬بخبرتها‭ ‬في‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬والعمل‭ ‬التنموي‭ ‬وسلاسل‭ ‬الإمداد،‭ ‬أن‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬مجالاً‭ ‬عمليًّا‭ ‬للتعاون‭ ‬عبر‭ ‬التغذية‭ ‬المدرسية،‭ ‬والزراعة‭ ‬المجتمعية،‭ ‬والتخزين‭ ‬البسيط،‭ ‬وتدريب‭ ‬المنتجين‭ ‬المحليين‭.‬

وهكذا،‭ ‬لا‭ ‬يكبر‭ ‬معنى‭ ‬الاستقلال‭ ‬حين‭ ‬يبقى‭ ‬في‭ ‬الساحات‭ ‬الرسمية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬حين‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬طبق‭ ‬طفل،‭ ‬وكتاب‭ ‬تلميذ،‭ ‬ودخل‭ ‬مزارع‭. ‬وفي‭ ‬تيمور‭ ‬ليستي،‭ ‬يبدو‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الفتيّ‭ ‬وهو‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬بدايته‭ ‬من‭ ‬وجبة‭ ‬مدرسية،‭ ‬كأن‭ ‬الدولة‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬المستقبل‭ ‬لا‭ ‬يولد‭ ‬دائمًا‭ ‬من‭ ‬الأبراج‭ ‬العالية،‭ ‬بل‭ ‬أحيانًا‭ ‬من‭ ‬مقعد‭ ‬خشبي‭ ‬وطبق‭ ‬ساخن‭.‬

 

‭* ‬صحافي‭ ‬وكاتب‭ ‬إندونيسي،‭ ‬مهتم‭ ‬بشؤون‭ ‬منطقة‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬كوالالمبور