تأثير الحضارة والتكنولوجيا الحديثة على حرية الإنسان

| د. سهيلة آل صَفَر

‭ ‬يبدو‭ ‬أنه‭ ‬كلما‭ ‬تقدم‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬الحداثة‭ ‬والتطور‭ ‬التكنولوجي‭ ‬وظهرت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬شبكات‭ ‬التواصل‭ ‬والصناعة‭ ‬الإعلامية‭ ‬الضخمة،‭ ‬والتي‭ ‬تقوده‭ ‬مع‭ ‬التدخلات‭ ‬اليومية‭ ‬والخوارزميات‭ ‬ونشر‭ ‬المعلومات‭ ‬وكثافتها،‭ ‬والتي‭ ‬أصبحت‭ ‬تتدخل‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يؤثر‭ ‬على‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬يتعايش‭ ‬بها‭ ‬ويشغل‭ ‬فيها‭ ‬وقته‭! ‬أدت‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬المعلومات‭ ‬إلى‭ ‬تساؤلات‭ ‬عما‭ ‬إذا‭ ‬أصبحنا‭ ‬مسيرين‭ ‬من‭ ‬قِبل‭ ‬الأجهزة‭ ‬الحديثة،‭ ‬ولم‭ ‬نعد‭ ‬مخيرين‭! ‬وأصبحت‭ ‬كالداء‭ ‬المنتشر‭ ‬الذي‭ ‬تسبب‭ ‬في‭ ‬ازدياد‭ ‬القلق‭ ‬النفسي‭ ‬والتعقيد‭ ‬فيما‭ ‬يدور‭ ‬في‭ ‬أجوائنا‭!‬

ذلك‭ ‬الكائن‭ ‬البسيط‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬كل‭ ‬همه‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬الحياة‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬أكله‭ ‬ومسكنه‭ ‬وعائلة‭ ‬مُحبة‭ ‬تحتضنه‭ ‬ويعيش‭ ‬في‭ ‬كنفها‭.. ‬مع‭ ‬كيانه‭ ‬وأفكاره‭ ‬وتوجهاته،‭ ‬ودون‭ ‬أن‭ ‬يتسبب‭ ‬أحد‭ ‬في‭ ‬التسلط‭ ‬على‭ ‬حياته‭ ‬أو‭ ‬تغيير‭ ‬الأسس‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يتوارثها‭ ‬ويعتمد‭ ‬عليها‭ ‬ويطمئن‭ ‬قلبه‭ ‬بها،‭ ‬والأهم‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬يشعر‭ ‬بحريته‭ ‬وكيانه‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬ما‭ ‬يراه‭ ‬مناسبا‭ ‬في‭ ‬عيشه‭ ‬وتحركاته‭.‬

ولكن‭ ‬للأسف‭ ‬ازداد‭ ‬قلقه‭ ‬بسبب‭ ‬هذه‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والسيطرة‭ ‬اللاإرادية‭ ‬التي‭ ‬دخلت‭ ‬على‭ ‬المستويات‭ ‬كافة،‭ ‬سواء‭ ‬إلى‭ ‬الشباب‭ ‬وكبار‭ ‬السن،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬الأطفال‭ ‬تغيروا‭ ‬وأصبحت‭ ‬لهم‭ ‬تحدياتٌ‭ ‬مع‭ ‬الأهل‭ ‬وآراءٌ‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تعرضهم‭ ‬حتى‭ ‬إلى‭ ‬الأفلام‭ ‬الكارتونية‭ ‬لأسلوب‭ ‬حياةٍ‭ ‬مختلف،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬لصعوبة‭ ‬التفاهم‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬تلك‭ ‬العقول‭ ‬الصغيرة‭.‬

وفي‭ ‬الواقع‭ ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬التسهيلات‭ ‬التي‭ ‬أتت‭ ‬بها‭ ‬هذه‭ ‬الحضارة‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬النواحي‭ ‬العملية‭ ‬والترفيهية،‭ ‬حيث‭ ‬طورت‭ ‬الطب‭ ‬والمعرفة‭ ‬للجميع،‭ ‬ورفعت‭ ‬متوسط‭ ‬العمر‭ ‬وأشياء‭ ‬أخرى،‭ ‬لكنها‭ ‬اختطفت‭ ‬السعادة‭ ‬وهدوء‭ ‬البال،‭ ‬وأصبحت‭ ‬السرعة‭ ‬والاستهلاك‭ ‬السمة‭ ‬الأساسية‭ ‬فيها،‭ ‬وجعلته‭ ‬يعيش‭ ‬تحت‭ ‬مراقبة‭ ‬دائمة‭ ‬سياسية‭ ‬وتقنية‭ ‬ونفسية‭ ‬ومع‭ ‬عدد‭ ‬المتابعين‭! ‬وكل‭ ‬لحظة‭ ‬يجب‭ ‬ملؤها‭ ‬بالشاشات‭ ‬مع‭ ‬التصفح‭ ‬الدائم‭ ‬والضجيج،‭ ‬وكأن‭ ‬الحضارة‭ ‬تخشى‭ ‬أن‭ ‬ينفرد‭ ‬الإنسان‭ ‬بنفسه‭ ‬لأن‭ ‬ذلك‭ ‬يجعله‭ ‬يخاف‭ ‬من‭ ‬نفسه‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يعرفها‭! ‬ورمت‭ ‬في‭ ‬أحضاننا‭ ‬الوقت‭ ‬والقلق‭ ‬والفراغ‭ ‬الداخلي‭ ‬والمعلومات‭ ‬الكاذبة‭ ‬المضيعة‭ ‬للوقت،‭ ‬ولملء‭ ‬الفراغ‭ ‬فقط‭! ‬وبكثافة‭ ‬لا‭ ‬مثيل‭ ‬لها‭! ‬وسيطرة‭ ‬الأنظمة‭ ‬الغذائية‭ ‬وطريقة‭ ‬تناولها،‭ ‬والإعلانات‭ ‬لكل‭ ‬شيء‭ ‬يتعلق‭ ‬بالحياة‭ ‬العائلية‭ ‬والعملية‭  ‬والتي‭ ‬تُملي‭ ‬على‭ ‬الفرد‭ ‬كي‭ ‬يتوافق‭ ‬معها‭.‬

وأضحى‭ ‬الفرد‭ ‬بضغطة‭ ‬زر‭ ‬يحصل‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يطلبه،‭ ‬أو‭ ‬يشتريه،‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬ارتداؤه‭ ‬وكيف‭ ‬يُربي‭ ‬أطفاله‭! ‬ويصفف‭ ‬شعره‭ ‬أو‭ ‬يغير‭ ‬قسمات‭ ‬وجهه،‭ ‬أو‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬وجهة‭ ‬سفره‭ ‬وكيف‭ ‬يقتني‭ ‬سيارته‭ ‬أو‭ ‬الأقساط‭ ‬وشراء‭ ‬البيت‭ ‬وديكوراته‭.. ‬إلخ‭.‬

إن‭ ‬الإعلانات‭ ‬وغيرها‭ ‬تأتيه‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الأوقات‭! ‬وبدأت‭ ‬تتصدر‭ ‬مخزون‭ ‬فكره‭ ‬وبطانة‭ ‬تفكيره‭! ‬وقد‭ ‬يتساءل‭ ‬حائرًا‭ ‬أين‭ ‬اقف‭ ‬الآن‭! ‬ومن‭ ‬أنا‭! ‬ولماذا‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬التنبيهات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬أريدها‭! ‬وأين‭ ‬ذهبت‭ ‬حريتي‭ ‬في‭ ‬الاختيار‭! ‬وما‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬الداخلي‭ ‬الذي‭ ‬أبعدني‭ ‬عن‭ ‬العيش‭ ‬الهادئ‭ ‬والمسؤوليات‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تخطر‭ ‬ببالي‭ ‬سلفا،‭ ‬فالاستهلاك‭ ‬أصبح‭ ‬السمة‭ ‬الحياتية‭ ‬المسيطرة‭ ‬الوحيدة‭ ‬على‭ ‬معظم‭ ‬تصرفاته،‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬الأشياء‭ ‬سلبت‭ ‬الحرية‭ ‬الفكرية‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التمييز‭ ‬والاختيار‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يتمتع‭ ‬بها‭ ‬سابقا‭.‬

ومن‭ ‬المعروف‭ ‬أن‭ ‬الصناعة‭ ‬الإعلامية‭ ‬والاستهلاك‭ ‬يدرَسان‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬وبطرقٍ‭ ‬حديثة،‭ ‬ومع‭ ‬تحليل‭ ‬نفسي‭ ‬ومدروس‭ ‬خصيصًا‭ ‬للتعرف‭ ‬على‭ ‬أنسب‭ ‬الطرق‭ ‬للإغراء‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬الفرد‭ ‬لاقتناء‭ ‬المواد‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬والمنتجات‭ ‬التي‭ ‬تشاء‭ ‬الشركات‭ ‬تسويقها‭ ‬وتتفنن‭ ‬في‭ ‬الأسلوب‭ ‬المناسب‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬الاحتياجات‭ ‬النفسية‭ ‬والمعنوية‭ ‬للفرد‭! ‬وإذا‭ ‬لم‭ ‬يستجب‭ ‬لها،‭ ‬تضلله‭ ‬بشعورٍ‭ ‬مزعج‭! ‬وبأنه‭ ‬من‭ ‬عالمٍ‭ ‬متخلف‭ ‬وليس‭ ‬مع‭ (‬الترند‭) ‬الحالي‭ ‬الذي‭ ‬يعيشه‭ ‬مجتمعه،‭ ‬ما‭ ‬يصيبه‭ ‬بالإرهاق‭ ‬في‭ ‬التفكير‭ ‬وعدم‭ ‬التوازن‭ ‬لكي‭ ‬يعيد‭ ‬حساباته‭ ‬وانتماءه‭ ‬لما‭ ‬يدور‭ ‬حوله‭ ‬في‭ ‬عوالم‭ ‬اليوم‭. ‬ويأتينا‭ ‬السؤال‭ ‬الحائر‭ ‬عن‭ ‬مدى‭ ‬استفادتنا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الحضارة؟‭!‬

والجواب‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬أن‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭ ‬زيادة‭ ‬الحذر‭ ‬وعدم‭ ‬الغرور‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التقدم‭ ‬السريع‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحضارة‭ ‬المضللة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تجعل‭ ‬الإنسان‭ ‬بليد‭ ‬المشاعر‭ ‬مع‭ ‬العلاقات‭ ‬السطحية‭ ‬وغريبا‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬التقدم‭! ‬فالمدن‭ ‬المضاءة‭ ‬طوال‭ ‬الليل‭ ‬أو‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭.. ‬إلخ،‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬الجواب‭! ‬ويجب‭ ‬إعادة‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يدور‭ ‬حولنا‭ ‬لفهم‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬ذواتنا‭ ‬وعمق‭ ‬احتياجاتنا‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬العائلية‭ ‬وتهدئة‭ ‬روحنا‭ ‬المتعبة‭ ‬وسط‭ ‬عالمٍ‭ ‬يتحرك‭ ‬أسرع‭ ‬من‭ ‬أرواحنا‭.‬

 

‭ *  ‬طبيبة‭ ‬وكاتبة‭ ‬ونحاتة‭ ‬تشكيلية‭ ‬بحرينية