الأمراض المزمنة غير المعدية تمثل 43 % من أسباب الوفيات في البحرين

هل وصلكم “المسج”؟ استثمار صحي يسبق المرض ويخفض الكلفة

| سعيد محمد سعيد

هل وصلتكم رسالة نصية من مراكز الرعاية الصحية الأولية تدعوكم لزيارة المركز الصحي لإجراء الفحوصات الدورية بهدف الكشف المبكر عن الأمراض المزمنة والسرطان تحت شعار: ”الكشف المبكر.. حياة”؟

إدارة المخاطر الصحية

لنلقي نظرة على التحديات الصحية العالمية، فالكثير من الأنظمة الصحية اتجهت إعادة تعريف أولوياتها، حيث لم يعد العلاج هو الهدف الأول، بل الوقاية والاستباق، وفي مملكة البحرين، تتجسد هذه الرؤية من خلال مبادرات مراكز الرعاية الصحية الأولية التي تروّج للفحص الدوري كخط دفاع أول، في رسالة واضحة مفادها أن “الكشف المبكر حياة”، لكنها في العمق تعكس تحولًا استراتيجيًا نحو إدارة المخاطر الصحية قبل تفاقمها.

أعلى عشر دول عالميًا

ونقف على بيانات مهمة عرضتها وزارة الصحة في موقعها الإلكتروني تشير  إلى أن الأمراض غير المعدية تمثل نحو 43 % من أسباب الوفيات في البحرين، وتشمل أمراض القلب والسكري والسرطان وأمراض الجهاز التنفسي المزمنة، كما تضع المؤشرات المملكة ضمن أعلى عشر دول عالميًا في معدلات الإصابة بالسكري، وهو ما يعكس حجم التحدي الصحي والاقتصادي في آن واحد، هذه الأرقام لا تُقرأ في إطار صحي فقط بل تحمل دلالات اقتصادية عميقة، إذ ترتبط بارتفاع كلفة العلاج طويل الأمد، وزيادة الضغط على المستشفيات والخدمات التخصصية.

من 15 إلى 75 عامًا

في هذا السياق، جاء إطلاق عيادات الكشف المبكر عن عوامل الخطر كأداة عملية لإدارة هذه التحديات، وتستهدف هذه العيادات الفئة العمرية من 15 إلى 75 عامًا، مع التركيز على اكتشاف عوامل الخطورة مثل السمنة والتدخين وارتفاع ضغط الدم وارتفاع الدهون في الدم، وتقدم البحرين خدمة للمواطنين والمقيمين تشمل  الكشف المبكر عن الأمراض المزمنة، واكتشاف المضاعفات المصاحبة لها، ما يسمح بالتدخل العلاجي في مراحل مبكرة أقل كلفة وأكثر فاعلية.

لكن ماذا عن الناحية الاقتصادية؟ تمثل هذه المبادرات نموذجًا للاستثمار في رأس المال البشري، حيث إن كل حالة يتم اكتشافها مبكرًا تعني تقليلًا محتملًا في كلفة العلاج المستقبلي، سواء على مستوى الفرد أو النظام الصحي، كما تسهم هذه الاستراتيجية في تقليل الحاجة إلى الرعاية الصحية الثانوية، التي تُعد الأعلى كلفة، وتحويل جزء كبير من العبء إلى الرعاية الأولية الأقل تكلفة والأكثر كفاءة.

“البلاد” ترصد الآلية

وبرصد منظومة من الخدمات تابعتها “البلاد”، تعتمد آلية عمل هذه العيادات على نظام متكامل يشمل التحويل من قبل أطباء المراكز الصحية، أو التوجه الذاتي من قبل المريض، إضافة إلى دور الممرضين المؤهلين في التوعية والتوجيه، وقد تم توزيع هذه العيادات على عدد من المراكز الصحية، منها مركز بنك البحرين والكويت الصحي بالحد، ومركز بنك البحرين الوطني الصحي بعراد، ومركز حمد كانو الصحي، ومركز عالي الصحي، ومركز يوسف إنجنير، بما يعكس انتشارًا جغرافيًا يسهم في تسهيل الوصول إلى الخدمة.

وهناك أهمية على المستوى الاجتماعي كذلك، فهذه المبادرات تسهم في تعزيز ثقافة المسؤولية الصحية الفردية، حيث تتحول زيارة المركز الصحي من رد فعل على المرض إلى سلوك وقائي واعٍ، كما تعزز هذه الجهود من إنتاجية المجتمع واستقراره، إذ إن الأفراد الأصحاء أكثر قدرة على العمل والمساهمة في الاقتصاد.

الوقاية قبل الإصابة

على ذلك، تمثل برامج الفحص الدوري في البحرين تحولًا نوعيًا من نموذج “العلاج بعد المرض” إلى “لوقاية قبل الإصابة”، وهو تحول يحمل أبعادًا صحية واقتصادية واجتماعية متكاملة، ومع استمرار تطوير هذه البرامج وتوسيع نطاقها، فإنها تضع أساسًا متينًا لبناء نظام صحي مستدام، قادر على تقليل الكلفة ورفع جودة الحياة، وتحقيق معادلة دقيقة بين الوقاية والكفاءة الاقتصادية.