عبير السماء في صحراء المملكة

حكاية الورد الطائفي الذي يغسل جدران الكعبة المشرفة

| طارق البحار

مع إطلالة شهر أبريل من كل عام، ترتدي مدينة الطائف في غرب السعودية حلة وردية زاهية، حيث تتحول جيوب المشهد الصحراوي الشاسع إلى لوحات فنية مفعمة بالحياة وعطر فواح يملأ المدى. في هذا التوقيت تحديداً، تبدأ رحلة حصاد الورود التي لا تُعد مجرد نباتات للزينة، بل هي المكون الأساسي لزيت الورد الثمين المستخدم في تطهير جدران الكعبة المشرفة في مكة المكرمة. وبفضل مناخها المعتدل الفريد، احتضنت الطائف ما يقرب من ألف مزرعة للورد، تمتد بساطاتها العطرية من "وادي محرم" وصولاً إلى مرتفعات "الهدا"، وهو ما جعل المدينة ترتبط تاريخياً بمهرجانات الورد التي تحتفي بهذا الإرث الجمالي.

في كل ربيع، يتسابق المزارعون نحو الحقول مع خيوط الفجر الأولى لجمع بتلات الورد يدوياً، حيث يقطفون عشرات الآلاف من الزهور يومياً لإنتاج مياه وزيوت الورد التي تدخل في صناعات التجميل الفاخرة وفنون الطهي العالمية. وما إن تمتلئ السلال بتلك البتلات الرقيقة، حتى تُنقل إلى المقطرات المحلية ليتم فرزها ووزنها بعناية، قبل أن تبدأ عملية التقطير داخل أوانٍ نحاسية ضخمة لاستخلاص العطر المركز الذي بات مقصداً لملايين المسلمين الذين يزورون المملكة سنوياً لأداء مناسك الحج والعمرة.

إن القيمة الحقيقية لجوهر الورد الطائفي تتجاوز كونه عطراً، إذ يتشابك بعمق مع الثقافة والطقوس الإسلامية؛ فهو العنصر الرئيس في المراسم نصف السنوية لغسل الكعبة المشرفة في المسجد الحرام، حيث يُستخدم أجود أنواع زيت الورد في هذه المناسبة المقدسة. كما يمتد هذا الارتباط ليشمل "الكسوة" التي تُعطر بماء الورد خلال موسم الحج، في استحضار لتقاليد تاريخية عريقة، تذكرنا بما ورد في الأثر عن السلطان محمد الفاتح حين أمر بغسل "آيا صوفيا" بماء الورد بعد فتح القسطنطينية عام 1453 قبل تحويلها إلى مسجد.

وفي المنظور الإسلامي، يُعرف الورد بكونه "زهرة الجنة"، حيث يرى الكثيرون في الورود رمزاً لسمو الروح الإنسانية ونقائها. ومن هنا ارتبطت الرائحة الزكية للورد بالحالة الروحانية والسكينة، لتصبح "الوردة" التي تُكتب وتُنطق بالعربية بجمال خاص، أكثر من مجرد زهرة؛ بل هي جسر عطري يربط بين الأرض والسماء، وبين الطبيعة والقداسة في قلب الجزيرة العربية.

*الصور من: bayt.al.fann