“غرفة البحرين”.. بين الإصلاح المؤسسي والانضباط الأخلاقي
| خالد عبدالله المرباطي
مع اختتام انتخابات غرفة تجارة وصناعة البحرين وتشكيل مجلس إدارتها الجديد، نتقدم بالتهنئة للأعضاء الذين حازوا ثقة الشارع التجاري، مقرونة بتمنيات صادقة بالتوفيق في حمل هذه المسؤولية الوطنية؛ فالتحدي اليوم لا يكمن في تغيير الأسماء بقدر ما يتمثل في إحداث نقلة نوعية في الأداء، تجعل “بيت التجار” مؤسسة قيادية فاعلة، قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية وصياغة مستقبل أكثر استدامة للقطاع التجاري في المملكة. لقد حمل برنامج كتلة “استدامة” شعارات طموحة في مجالات الحوكمة والتمكين ورؤية 2050، وهي أهداف تستحق الإشادة والدعم، غير أن تحقيق هذه الطموحات يتطلب البدء من الداخل، عبر مراجعة وتحديث الجهازين الإداري والتنفيذي، بما يضمن كفاءة الأداء وسرعة الإنجاز؛ فوجود كوادر مؤهلة تعمل ضمن منظومة حديثة قادرة على التواصل مع الأعضاء، يمثل حجر الأساس لأي تحول حقيقي. كما أن تطوير الأدوات التنفيذية وضخ دماء احترافية جديدة كفيلان بضمان وصول خدمات الغرفة إلى جميع أعضائها بعدالة وشفافية. وفي موازاة الإصلاح الإداري، تبرز أهمية ترسيخ بعد لا يقل شأنا، وهو “الانضباط الأخلاقي” في السوق؛ فالغرف التجارية المتقدمة لم تعد تكتفي بدور التمثيل والدفاع، بل أصبحت شريكا في تنظيم الممارسة التجارية وحماية سمعة القطاع. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تبني “ميثاق شرف مهني” واضح، لا يكتفي بالتوجيه، بل يرسخ ثقافة الالتزام والمسؤولية الذاتية، ويضع معايير تحكم العلاقة بين التاجر ونظرائه، وبين التاجر والمستهلك. وفي هذا السياق، يمكن الاستفادة من تجارب دولية رائدة، استطاعت أن توازن بين التطوير المؤسسي والانضباط المهني، بحيث لا تُترك السوق لمجرد الاجتهادات الفردية، بل تُدار ضمن إطار يحمي سمعتها ويصون مصالحها؛ فسمعة السوق ليست مسؤولية فردية، بل منظومة متكاملة، قد تتأثر سلبا بممارسات محدودة إن لم تجد إطارا رادعا يعالجها. إن جوهر المرحلة القادمة يجب أن يرتكز على تعزيز “السمعة التجارية” بوصفها أحد أهم الأصول غير الملموسة للاقتصاد الوطني؛ فالتاجر البحريني عُرف تاريخيّا بالأمانة والنزاهة، غير أن تعقّد الأسواق وتداخل المصالح يفرضان اليوم الحاجة إلى أدوات مؤسسية تحمي هذه السمعة وتعززها؛ فالمسؤولية الاجتماعية لم تعد تقتصر على المبادرات الخيرية، بل أصبحت التزاما يوميّا يتمثل في حماية استقرار السوق، وضمان جودة السلع والخدمات، ومراعاة حقوق المستهلك. وانطلاقا من هذه الرؤية، يمكن لمجلس الإدارة الجديد أن يضع ضمن أولوياته مجموعة من الخطوات العملية، من أبرزها: • إعداد ميثاق شرف مهني ملزم، يحدد قواعد السلوك التجاري ويصون سمعة القطاع. • إعادة هيكلة الجهاز التنفيذي بما يواكب متطلبات العصر الرقمي ويعزز الكفاءة المؤسسية. • تفعيل آليات فعالة للوساطة وحل النزاعات، بما يعزز الثقة بين الأعضاء ويحد من التحديات التي تواجههم، سواء فيما بينهم أو مع الجهات المختلفة. • تطوير مفهوم المسؤولية المجتمعية ليكون جزءا من الممارسة الاقتصادية اليومية، لا مجرد مبادرات موسمية. إن ما تتميز به البحرين من روابط اجتماعية متينة وتقاليد عريقة يمثل رصيدا وطنيّا مهمّا، لكنه يجب أن يُوظف لدعم قيم النزاهة والشفافية، لا أن يكون عائقا أمام تطبيق الأنظمة؛ فالمؤسسات القوية تُبنى على وضوح القواعد وعدالة تطبيقها، بما يحقق المصلحة العامة ويحفظ حقوق الجميع. ويبقى الأمل معقودا على أن يكون المجلس الجديد على قدر هذه التطلعات، مدركا أن قوة الغرفة لا تُقاس فقط بنفوذ أعضائها، بل بما ترسخه من ثقة ومصداقية في وجدان المجتمع؛ فالمستقبل لا تصنعه القرارات وحدها، بل تصنعه أيضا القيم التي تحكم هذه القرارات. نسأل الله لهم التوفيق في خدمة البحرين واقتصادها، وتحقيق ما يصبو إليه القطاع التجاري من تقدم وازدهار.
*مدير أول سابق بغرفة تجارة وصناعة البحرين