كيف يصبح البناء أكثر كلفة في الأزمات؟

| عبدالله مراد

قطاع المقاولات والبناء من أكثر القطاعات تأثرًا عند حدوث الأزمات، لأنه يعتمد بشكل كبير على مواد مستوردة وتمويل وسيولة مستمرة. وعندما تتعطل سلاسل الإمداد أو ترتفع تكاليف الشحن، تنعكس هذه الزيادة بشكل مباشر على أسعار المواد، لكن ردّة فعل السوق لا تتوقف عند هذا الحد. فالمقاولون بحكم طبيعة المشاريع الطويلة يخشون استمرار ارتفاع الأسعار أثناء التنفيذ، لذلك يلجؤون نفسيًّا وعمليًّا إلى إضافة هامش أمان أعلى عند التسعير. كما يسعى بعضهم إلى شراء كميات أكبر من المعتاد لتفادي النقص أو الزيادات المفاجئة، وهو ما يخلق تحديًا آخر يتمثل في التخزين، خاصة في المشاريع الصغيرة التي قد لا تتوفر فيها بيئة مناسبة للتخزين، ما قد يؤدي إلى تلف المواد أو تراجع جودتها مع الوقت. وقد شاهدنا مثالًا واضحًا في أزمة الخرسانة خلال الربع الأخير من عام 2024، حين ارتفعت الأسعار وتأخرت طلبات الخرسانة في البحرين بشكل لافت، ورغم أن الأزمة الحالية قد لا تشكل تحديًا كبيرًا كون أن اغلب مواد البناء الأساسية مثل الخرسانة والحديد تُستورد من دول المنطقة. هذا الوضع يجعل من الصعب على من يخطط للبناء تحديد ميزانية دقيقة، لأن الأسعار تبقى متقلبة وغير مستقرة. لذلك يفضّل كثير من الأفراد تأجيل البناء أو تقليص المشروع والتركيز على الأساسيات بدل الكماليات. الأكثر تضررًا عادة هم المقاولون الصغار ومشاريع الأفراد، بسبب محدودية السيولة وصعوبة توفير العمالة أو تحمل فترات التباطؤ، بينما تستطيع الشركات الكبيرة أو المشاريع الحكومية امتصاص الصدمات بشكل أفضل بفضل إمكاناتها المالية والتنظيمية. في النهاية، الأزمات لا توقف البناء بالكامل، لكنها تجعله أكثر كلفة. كما أن الأسعار غالبًا ما تعود للانخفاض بوتيرة أبطأ من ارتفاعها، بسبب استمرار حالة التحوّط وعدم وضوح الأوضاع الاقتصادية أو الجيوسياسية. لذلك، إذا اضطررت للتعاقد خلال هذه الفترات، فمن الأفضل اختيار مقاول يتمتع بملاءة مالية جيدة، مع وضع هامش احتياطي في الميزانية وتوقع أن التكلفة النهائية قد تكون أعلى من التقدير الأولي. فالبناء وقت الأزمات ممكن، لكنه يتطلب حسابات أدق وصبرًا أكبر.