الاقتصادي ورجل الأعمال الكويتي د. يوسف العميري في حوار مع “البلاد”:

ضرورة التنسيق الخليجي العربي لامتصاص “صدمات الحرب”

| سعيد محمد سعيد

الأوضاع المعقدة  تضرب الاقتصاد الإقليمي على شكل موجات متتابعة الطاقـة والنقـل والسياحـة والثقـة الاستثماريـة أبـرز القطاعـات المتأثـرة

 

يضع الاقتصادي ورجل الأعمال الكويتي الدكتور يوسف عبدالوهاب العميري رؤية واضحة بشأن الآثار الاقتصادية الناشئة عن الحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية على اعتبار أنها لا تؤثر على الاقتصاد الخليجي والعربي بضربة واحدة، بل تتجلى آثارها في صورة موجات متتابعة تبدأ بالطاقة ثم النقل والسياحة والأسواق المالية وصولًا إلى ثقة المستثمرين.

ومن باب خبرته الطويلة في قطاعات تجارية واستثمارية، علاوة على كونه رئيس بيت الكويت للأعمال الوطنية ورئيس مجلس إدارة جمعية خليجيون التي تضم نخبة من رجال وسيدات الأعمال من دول مجلس التعاون الخليجي وجمهورية مصر العربية وترأس حديثًا الاتحاد العربي لوسائل الإعلام، يرى أن أخطر القنوات التي تأثر بها الاقتصاد الإقليمي تتمثل في اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، وارتفاع أسعار النفط، وتعطل حركة الطيران والموانئ، إلى جانب تراجع الحجوزات السياحية والاستثمارات قصيرة الأجل.

الخليج في قلب التأثير

سنبدأ بسؤال مباشر.. كيف تنظرون إلى تأثير الحرب على اقتصادات دول الخليج؟

- دول الخليج هي الأكثر تعرضًا لتداعيات هذا النوع من الأزمات بسبب طبيعة بنيتها الاقتصادية، التي تعتمد بدرجة كبيرة على الطاقة والخدمات اللوجستية والطيران والتجارة العابرة للحدود، فالاقتصاد الخليجي لا يعتمد فقط على بيع النفط والغاز، بل على منظومة متكاملة تشمل النقل الجوي والبحري والخدمات المالية والسياحة، لذلك فإن أي اضطراب في الممرات البحرية أو حركة الطيران ينعكس سريعًا على النشاط الاقتصادي.

اليوم، يمكننا متابعة التقارير الاقتصادية الدولية فنرى أنها تتحدث عن تعطّل جزء مهم من إمدادات النفط والغاز العالمية بسبب التوترات في المنطقة، إضافة إلى توقف أو تأخر شحنات من بعض الدول الخليجية نتيجة المخاطر الأمنية في الممرات البحرية، ومثل هذه الظروف ترفع تكاليف التأمين والشحن، حتى بالنسبة للدول التي قد تستفيد مؤقتًا من ارتفاع أسعار النفط.

اضطراب الطيران والتجارة

وفقًا لما أشرتم إليه.. هل تشرح بعمق أكثر تأثير الأزمة على قطاع الطيران والخدمات اللوجستية؟

- إن قطاع الطيران في الخليج يمثل أحد أعمدة الاقتصاد الحديث في المنطقة، ولذلك فإن أي تعطّل فيه ينعكس على قطاعات عديدة أخرى، ودعنا نشير إلى أن اقتصادات الخليج بنت خلال العقود الماضية نموذج المركز الإقليمي للطيران والسفر والتجارة: مطارات مثل دبي والدوحة وأبوظبي والمنامة والكويت أصبحت محطات عبور عالمية، ولذلك فإن إلغاء الرحلات أو تقليصها يضرب هذا النموذج مباشرة، بالإضافة إلى ذلك، فإن الاضطرابات الجوية وإغلاق بعض المسارات الجوية أدت إلى إلغاء آلاف الرحلات، وهو ما يمثل أكبر اضطراب للطيران في المنطقة منذ جائحة كورونا، وتعرضت الموانئ والأنشطة التجارية المرتبطة بالنقل البحري تأثرت بدورها نتيجة المخاطر الأمنية في الممرات البحرية.

وجهة سياحية مهمة

انطلاقًا من إدارتكم لتجربة عربية مميزة وهي: ”خليجيون في حب مصر”، هل يمكن أن نكوِّن فكرة عن قطاع السياحة حتى بعد انتهاء الأزمة؟

- بالتأكيد، يعتبر قطاع السياحة من أكثر القطاعات حساسية تجاه الأزمات الجيوسياسية، ومنطقة الشرق الأوسط أصبحت خلال السنوات الأخيرة وجهة سياحية عالمية مهمة، حيث بلغت قيمة قطاع السياحة نحو مئات المليارات من الدولارات سنويًّا، وعندما تتصاعد التوترات العسكرية، فإن أول قرار يتخذه السائح هو تأجيل السفر، ولذلك نرى تراجعًا في الحجوزات وإلغاء بعض الرحلات السياحية، وهذا التأثير يطول بشكل خاص الدول التي استثمرت بقوة في السياحة والترفيه والفعاليات الدولية مثل الإمارات والسعودية وقطر والبحرين.

الأسواق المالية وثقة المستثمرين

المخاوف كبيرة دون شك بشأن انعكاس هذه التطورات على الأسواق المالية والاستثمار.. أليس كذلك؟

- إن الأسواق المالية عادة ما تكون أول من يتفاعل مع الأزمات السياسية والعسكرية، ومثل هذه الحالات نشهد تقلبات في البورصات وتراجعًا في شهية المستثمرين، لأن رأس المال بطبيعته يبحث عن الاستقرار، وبعض التوقعات الاقتصادية تشير إلى احتمال تباطؤ النمو غير النفطي في بعض اقتصادات المنطقة إذا استمرت الأزمة لفترة طويلة، ومع ذلك، فالعديد من دول الخليج تمتلك احتياطيات مالية قوية وصناديق سيادية ضخمة تساعدها على امتصاص الصدمات الاقتصادية.

انعكاسات على الاقتصادات العربية

كيف تنظرون إلى تأثير الحرب على بقية الاقتصادات العربية؟

- أستطيع القول أن الدول العربية المستوردة للطاقة قد تكون الأكثر هشاشة في مواجهة هذه التطورات، ذلك لأن ارتفاع أسعار النفط يعني ارتفاع كلفة الطاقة والنقل والغذاء في الدول التي تعتمد على الاستيراد، وهذا قد يرفع معدلات التضخم ويزيد الضغوط على الموازنات العام، أضف إلى ذلك، أن اضطراب سلاسل الإمداد العالمية يمكن أن يرفع أسعار السلع الأساسية مثل القمح والأعلاف والمعادن وقطع الغيار، وهو ما ينعكس على أسعار الغذاء والمنتجات الصناعية في العديد من الدول العربية.

كيف يمكن امتصاص الصدمة؟

يبدو المشهد معقد جدًّا، فما هي الإجراءات التي يمكن أن تساعد الاقتصادات العربية على تجاوز هذه المرحلة؟

- نتمنى قبل كل شيء أن يسود الأمان والسلام منطقة الشرق الأوسط وكل بلدان العالم وشعوبها، أما عن السؤال فإن التعامل مع مثل هذه الأزمات يتطلب ما يمكن تسميته “حزمة امتصاص صدمات اقتصادية سريعة، والخطوة الأولى من وجهة نظري تتمثل في تأمين سلاسل الإمداد عبر تأمين التنويع الاستراتيجي من الغداء والدواء والوقود، تنويع الموانئ والمسارات البحرية كما هو الحال في مبادرة سلطنة عمان الشقيقة ولها كل الشكر والتقدير في تسهيل خدمات موانئها وفتح خطوط شحن لكل دول الخليج.

إن حماية الاقتصاد غير النفطي يعد أمرًا بالغ الأهمية، خصوصًا في قطاعات الطيران والسياحة والضيافة والخدمات اللوجستية، فهذه القطاعات سريعة التأثر بالأزمات، وإذا لم تحصل على دعم مؤقت فقد يؤدي ذلك إلى تراجع النشاط الاقتصادي بل وفقدان الكثير من الوظائف، وأركز على أهمية السياسات المالية والنقدية المرنة، التي تسمح للحكومات بضخ السيولة في الأسواق وضمان استقرار النظام المالي.

التنسيق الخليجي العربي

هل لديكم مرئيات بشأن ما يمكن أن يلعبه التعاون الاقتصادي الخليجي العربي؟

- إن التنسيق الخليجي والعربي يعد عنصرًا أساسًا في مواجهة الأزمات الاقتصادية العابرة للحدود، وكما تعلمون، فإنه في أوقات الأزمات لا يمكن لأي دولة أن تعمل بمعزل عن الآخرين، لأن النفط والشحن والتجارة والسياحة كلها مترابطة، وبالإمكان في هذا الظرف القاهر اقتراح إنشاء غرفة تنسيق اقتصادية عربية خليجية مشتركة لمراقبة تطورات الغذاء والطاقة والنقل والتضخم، وتبادل المعلومات الاقتصادية بصورة مستمرة.

ولابد من القول إن أخطر تأثير للحرب لا يتمثل فقط في ارتفاع أسعار النفط، بل في اضطراب الإيقاع الاقتصادي للمنطقة بأكملها، وعندما تتعثر الطائرات وتتردد السفن ويتراجع السائح ويتردد المستثمر، فإن الاقتصاد يدخل مرحلة من الحذر والترقب، لكن دول الخليج وبعض الاقتصادات العربية ما زالت تمتلك أدوات قوية لامتصاص الصدمات، من بينها الاحتياطيات المالية والبنية التحتية المتطورة والقدرة على التنسيق الاقتصادي، والنجاح في هذه المرحلة لا يعني منع الصدمة بالكامل، بل منعها من التحول إلى ركود طويل أو تضخم مؤذٍ أو فقدان ثقة مزمن في اقتصادات المنطقة.