تحليل لـ “البلاد”: المنطقة بين مسارين متوازيين... تصعيد عسكري ومحاولات احتواء دبلوماسي
| محرر الشؤون الدولية
يرى الكاتب والمحلل السياسي العماني مرتضى بن حسن بن علي أن منطقة الشرق الأوسط تمر حالياً بمرحلة شديدة الحساسية، وربما تكون من أكثر المراحل خطورة منذ عقود، في ظل التطورات السياسية والعسكرية المتسارعة التي تشهدها المنطقة. ويؤكد في تحليل لـ “البلاد” أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن الصراع الإقليمي دخل مستوى جديداً من التوتر، بعد أن انتقل من نمط حروب الوكالة غير المباشرة إلى مواجهات أكثر مباشرة تمس عمق الدول والمنشآت الحيوية في المنطقة.
ويشير بن علي إلى أن مسار الأحداث في الوقت الراهن يجمع بين عاملين متناقضين يسيران في وقت واحد، يتمثل الأول في تصاعد العمليات العسكرية واتساع نطاقها، بينما يتمثل الثاني في محاولات سياسية ودبلوماسية لاحتواء الأزمة ومنع تحولها إلى صراع إقليمي واسع.
اتساع العمليات العسكرية وتهديد الممرات الحيوية
ويؤكد المحلل العماني مرتضى بن حسن بن علي أن التطورات الميدانية الأخيرة تعكس توسعاً واضحاً في نطاق العمليات العسكرية، حيث باتت المواجهات تشمل مواقع استراتيجية حساسة، بما في ذلك منشآت عسكرية ونووية، إضافة إلى تهديدات تطال الممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز، الذي يمثل شرياناً أساسياً لتدفق الطاقة العالمية.
ويضيف أن الانخراط العسكري المباشر أو غير المباشر لقوى كبرى في الصراع، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، سواء لحماية الملاحة الدولية أو دعم حلفائها في المنطقة، يرفع من احتمالات اتساع رقعة المواجهة ويزيد من تعقيد المشهد الأمني في الشرق الأوسط. ويشير بن علي إلى أن هذه المعطيات تضع المنطقة أمام مرحلة أكثر حساسية، إذ إن توسع العمليات العسكرية واستهداف مواقع استراتيجية قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد، خصوصاً في ظل تشابك المصالح الإقليمية والدولية المرتبطة بالأمن والطاقة والتجارة العالمية.
تحركات دبلوماسية لاحتواء الأزمة
وفي المقابل، يرى بن علي أن هناك إدراكاً متزايداً لدى العديد من القوى الإقليمية والدولية لخطورة انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية واسعة النطاق، وهو ما يفسر النشاط الدبلوماسي الملحوظ الذي تشهده المرحلة الحالية.
ويشير في هذا السياق إلى التحركات الدبلوماسية التي تقودها بعض الدول الإقليمية المؤثرة، من بينها سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية، بهدف احتواء الأزمة ومنع خروجها عن السيطرة، والعمل على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة بين الأطراف المختلفة.
كما يلفت إلى أن القلق الدولي المتزايد من احتمال اضطراب أسواق الطاقة وتعطل سلاسل الإمداد العالمية يمثل عاملاً مهماً يدفع القوى الكبرى إلى البحث عن مسارات تهدئة، لأن أي اضطراب كبير في منطقة الخليج ستكون له تداعيات اقتصادية عالمية فورية.
وفي هذا الإطار، يعتقد بن علي أن هذه الضغوط الاقتصادية والسياسية قد تدفع الأطراف الدولية إلى دعم مبادرات التهدئة أو البحث عن تفاهمات مرحلية تقلل من مستوى التصعيد العسكري.
دلالات الاجتماع الأوروبي الخليجي
وعن الاجتماع الوزاري الأخير بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي، يرى بن علي أن هذا الاجتماع يحمل دلالات سياسية واستراتيجية مهمة، ويعكس تحولاً تدريجياً في إدراك أوروبا لمكانة الخليج في معادلة الأمن الدولي. ويشير إلى أن الدلالة الأولى تتمثل في إدراك الأوروبيين المتزايد بأن أمن الخليج لم يعد قضية إقليمية فقط، بل أصبح جزءاً من أمنهم القومي المباشر، خاصة في ظل اعتماد أوروبا على استقرار أسواق الطاقة والممرات البحرية في المنطقة، إضافة إلى استمرار التوترات في شرق أوروبا. أما الدلالة الثانية فتتعلق بالاعتراف المتنامي بالدور السياسي لدول الخليج كقوى إقليمية قادرة على الوساطة وبناء الجسور بين الأطراف المتصارعة، وهو ما يمنح هذه الدول ثقلاً دبلوماسياً متزايداً في إدارة الأزمات الإقليمية. كما يوضح بن علي أن أوروبا بدأت تمزج بين الأدوات الدبلوماسية والأمنية في مقاربتها للمنطقة، حيث عزز الاتحاد الأوروبي حضوره العسكري البحري عبر عمليات مثل “أسبيدس” و”أتالانتا” لحماية الملاحة الدولية، في مؤشر على رغبة أوروبية في لعب دور أكثر فاعلية في تأمين الممرات البحرية الحيوية.
تحذيرات من حرب استنزاف طويلة
وفي سياق متصل، يشير بن علي إلى أن عدداً من المحللين في الولايات المتحدة وأوروبا يرون أن التصعيد العسكري الواسع ضد إيران قد يحمل مخاطر استراتيجية غير محسوبة، إذ قد يؤدي إلى تعزيز تماسك النظام في طهران بدلاً من إضعافه، كما قد يجر الأطراف المتورطة إلى صراع طويل ومكلف يصعب التحكم في مساراته. ويحذر بعض الخبراء – بحسب بن علي – من أن أخطر السيناريوهات يتمثل في تحول الصراع إلى حرب استنزاف طويلة، قد تلجأ خلالها بعض الأطراف إلى توسيع دائرة المواجهة بشكل كبير إذا شعرت بتهديد وجودي.
وفي مثل هذا السيناريو، قد تصبح منشآت الطاقة والبنية الأساسية الحيوية في المنطقة أهدافاً مباشرة، بما في ذلك المنشآت النفطية ومحطات تحلية المياه، وهو ما قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة النطاق في المنطقة والاقتصاد العالمي.
مفترق طرق حاسم
ويخلص بن علي في ختام تحليله إلى أن المنطقة تقف حالياً عند مفترق طرق دقيق؛ فإما أن تتجه الأحداث نحو تصعيد تدريجي قد يقود إلى حرب استنزاف طويلة، أو يتم التوصل إلى نوع من “اتفاق الضرورة” برعاية دولية يهدف إلى تجميد التصعيد ومنع توسع الصراع.
ويؤكد أن الأيام أو الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد أي المسارين سيتغلب، في ظل التوازن الدقيق بين التصعيد العسكري من جهة، والتحركات الدبلوماسية الرامية إلى احتواء الأزمة من جهة أخرى.