زلزال في سوق الطاقة.. 15 مليون برميل يومياً خارج حسابات العالم بسبب "هرمز"

| العربية.نت

تشهد أسواق الطاقة العالمية واحدة من أكبر حالات اضطراب الإمدادات في تاريخها، في ظل توقف تدفق كميات ضخمة من النفط الخام والمشتقات النفطية عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم.

ووفق تقديرات متداولة في الأسواق، توقف مرور نحو 10 ملايين برميل يومياً من النفط الخام عبر المضيق، بعد احتساب الكميات التي تمكنت كل من السعودية والإمارات من تحويلها عبر خطوط أنابيب إلى نقاط تصدير بديلة بعيداً عن هذا الممر المائي الحيوي. كما توقف تدفق نحو 5 ملايين برميل يومياً من المشتقات النفطية.

توقف الإنتاج وموقف مجموعة الـ7

ومع تعطل هذا المنفذ التصديري الحيوي واقتراب امتلاء الخزانات النفطية في المنطقة، ارتفع حجم الإنتاج الذي جرى إيقافه في دول الخليج إلى نحو 7 ملايين برميل يومياً نتيجة الحرب الدائرة، وهو رقم مرشح للزيادة في حال استمرار الصراع.

وعلى وقع هذه التطورات، عقد وزراء مالية دول مجموعة السبع اجتماعاً يوم الاثنين الماضي، أكدوا خلاله استعدادهم لاتخاذ الإجراءات اللازمة لمواجهة الأزمة.

وتشمل الخيارات المطروحة استمرار النقاش حول السحب من المخزونات النفطية الاستراتيجية.

وعادة ما يتم إطلاق تلك الكميات عبر مزادات تُطرح على كبرى شركات إنتاج وتجارة النفط، والتي تتولى بدورها نقلها إلى المصافي التي تحتاجها.

سؤالان رئيسيان حول السحب من الاحتياطي

يثير خيار السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية النفطية سؤالين رئيسيين:

أولاً: هل يمكن أن يساهم في خفض الأسعار؟

تاريخياً، تم اللجوء إلى هذا الخيار 5 مرات. وكان أول استخدام له خلال حرب تحرير الكويت عام 1990، فيما كان آخرها عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022.

غير أن السحب من الاحتياطي الاستراتيجي يعد سلاحاً ذا حدين؛ فبدلاً من تهدئة الأسواق، قد يرسل إشارة إلى أن تأثير الحرب الحالية لن يكون مؤقتاً وأن الوضع قد يكون أسوأ مما تتوقعه الأسواق، الأمر الذي قد يؤدي إلى تجدد ارتفاع الأسعار.

كما أن أحجام السحب السابقة لا تقارن بحجم الأزمة الحالية.

ثانياً: هل يكفي المخزون لسد العجز؟

تُلزم وكالة الطاقة الدولية الدول الأعضاء بالاحتفاظ بمخزونات نفطية تكفي لتغطية 90 يوماً من الطلب.

ويبلغ حجم الاحتياطي الاستراتيجي لدى الحكومات الأعضاء في الوكالة نحو 1.2 مليار برميل، موزعة بين 900 مليون برميل من النفط الخام و300 مليون برميل من المشتقات النفطية.

ويضاف إلى هذه الكميات المخزون التجاري في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، الذي تمتلكه شركات الطاقة وتجارة النفط والمصافي، ويبلغ نحو 2.8 مليار برميل من الخام والمشتقات، منها 600 مليون برميل تخضع لسيطرة شبه مباشرة من الحكومات.

قدرة التعويض محدودة زمنياً

في المقابل، فقدت الأسواق نحو 15 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمشتقات نتيجة توقف الملاحة عبر مضيق هرمز.

وتشير التقديرات إلى أن الكميات المتاحة للسحب من المخزونات الاستراتيجية لدى الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية يمكن أن تعوض النقص الحالي في الإمدادات العابرة للمضيق لمدة تصل إلى 120 يوماً تقريباً كحد أقصى.

ورغم ذلك، فإن أكبر عملية سحب من الاحتياطي الاستراتيجي في التاريخ لم تتجاوز 1.3 مليون برميل يومياً، وهو ما يبرز الفجوة الكبيرة بين القدرة على التعويض وحجم الإمدادات المفقودة حالياً.

الحل الوحيد لتجنب أزمة طاقة

في ظل هذه المعطيات، يرى خبراء أن تفادي أزمة طاقة عالمية يتطلب التوصل إلى اتفاق سريع لإنهاء الحرب، إذ لا يملك العالم بديلاً حقيقياً يعوض الإمدادات النفطية القادمة من منطقة الخليج.

وقال مستشار التحرير في منصة الطاقة المتخصصة الدكتور أنس الحجي إن الحديث عن سحب ما بين 300 و400 مليون برميل من المخزون الإستراتيجي لدول وكالة الطاقة الدولية لا ينبغي أن يقتصر على الأرقام فقط، مؤكداً أن المشكلة الأساسية لا تكمن في حجم المخزون بقدر ما تكمن في موقعه الجغرافي ونوعية النفط المخزن فيه.

الموقع الجغرافي للمخزونات ونوعيتها

وأوضح الحجي لـ"العربية Business" أن الأسواق الأكثر تضرراً من أي نقص محتمل في الإمدادات تقع في آسيا، في حين أن غالبية المخزونات الإستراتيجية التي قد يتم الإفراج عنها موجودة في الولايات المتحدة وأوروبا.

وأضاف أن نوعية النفط تمثل إشكالية إضافية، إذ إن معظم المخزونات من النفط الخفيف، وجزءاً آخر من النفط المتوسط الحامض، بينما النفط العراقي – الذي يمثل جزءاً كبيراً من الخامات التي ارتفعت أسعارها فوق خام برنت – غير متوافر في هذه المخزونات.

وأشار إلى أن هذه الفجوة في الموقع الجغرافي ونوعية النفط تمثل تحدياً حقيقياً بغض النظر عن حجم الأرقام المتداولة.

وأضاف أنه حتى عند النظر إلى الكميات المطروحة، فإن هناك إشكالية أخرى ظهرت في تجربة سابقة، عندما قامت إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن بالسحب من الاحتياطي الإستراتيجي بمقدار 180 مليون برميل، وهي الكمية التي اعتُبرت كافية لإحداث تأثير في الأسواق، لافتاً إلى أن السحب بكميات أقل مثل 30 أو 60 مليون برميل لا يترك أثراً ملحوظاً في السوق.

وأضاف الحجي أن بعض المخزونات واجهت مشكلات تتعلق بجودة النفط، إذ تم اكتشاف حالات تلوث في بعض الكميات، ما دفع الشركات إلى رفض استلامها وإعادتها، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول جودة جزء من النفط المخزن عندما يجري الحديث عن أرقام كبيرة تصل إلى 300 أو 400 مليون برميل.

وأكد أن المشكلة لا تتعلق بالجودة فقط، بل تمتد أيضاً إلى نوعية الخامات ومدى ملاءمتها لطلب السوق، خاصة في ما يتعلق بالخامات الثقيلة، إضافة إلى مشكلة الموقع الجغرافي، حيث إن الأسواق المتضررة في آسيا بينما سيكون الإفراج عن الكميات في الولايات المتحدة وأوروبا.

نقص في السفن

وتحدث الحجي عن إشكالية أخرى تتعلق بقطاع النقل البحري، موضحاً أن نقص السفن المتاحة حالياً يمثل عائقاً كبيراً أمام نقل هذه الكميات.

ولفت إلى أن أحد الحلول الممكنة يتمثل في الضغط على شركات التأمين، معتبراً أن ذلك قد يسهم في حل جزء كبير من المشكلة. وأشار إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب انتقد علناً رؤساء دول وأعضاء في الكونغرس ومجلس الشيوخ، لكنه لم ينتقد شركات التأمين حتى الآن، رغم أن الضغط عليها قد يكون أحد المفاتيح الأساسية لمعالجة الأزمة.

أكبر سحب نفطي في التاريخ

أعلنت "الوكالة الدولية للطاقة" أن دولها الأعضاء، البالغ عددها 32 دولة، قررت بالإجماع اليوم الأربعاء الإفراج عن 400 مليون برميل من احتياطياتها النفطية الاستراتيجية، في أكبر عملية طرح من نوعها في تاريخ الوكالة.

وقال فاتح بيرول، المدير التنفيذي للوكالة التابعة لمنظمة "التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي"، في بيان مصور نُشر اليوم، إن دول الوكالة ستطرح هذه الكمية في الأسواق لتعويض النقص الحاد في الإمدادات الناتج عن الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز.

وأوضح بيرول، أن الصراع في الشرق الأوسط له تأثير كبير ومباشر على أسواق الطاقة العالمية.

وتعد هذه الخطوة المرة السادسة التي تُنسق فيها "الوكالة الدولية للطاقة" عملية طرح من احتياطياتها لمواجهة اضطرابات السوق العالمية.

ويأتي هذا القرار الاستثنائي كمحاولة لتهدئة أسعار النفط التي شهدت تقلبات حادة في الأيام الأخيرة، وسط مخاوف من توقف طويل الأمد لإمدادات الطاقة القادمة من منطقة الخليج بسبب التوترات الجيوسياسية الراهنة.

ورغم هذا المقترح غير المسبوق، لم تسجل أسعار النفط تغيراً يذكر، إذ بقيت الأسواق حذرة وتترقب تطورات الأوضاع الجيوسياسية ومدى إمكانية تنفيذ السحب المقترح فعلياً.