أكثر من 80 % من الصادرات تتجه للأسواق الآسيوية

220 ألف طن أضرار يومية لتعليق إنتاج الغاز القطري المسال

“غولدمان ساكس”: توقف الشحن لمدة شهر سيقفز بالأسعار إلى 130 % ارتفاع الأسعار قد يجبر بعض الدول لاستخدام الفحم في توليد الكهرباء

شكّل قرار شركة قطر للطاقة التعليق المؤقت لإنتاج وتصدير الغاز الطبيعي المسال إثر تعرض منشآتها التشغيلية في مدينتي راس لفان ومسيعيد الصناعيتين لـ”هجوم عسكري”، تطورًا بالغ الأهمية؛ إذ توفر قطر ما يقارب 20 % من الإمدادات العالمية من الغاز المسال، وتصدر نحو 80 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال إلى الأسواق الدولية. هذا التعليق الطارئ لم يكن مجرد إجراء تقني يتعلق بالإنتاج أو الشحن، بل تحوّل إلى صدمة طاقوية عالمية قد تمتد آثارها إلى أسواق الطاقة والصناعة والنقل في عدة قارات.  فالغاز الطبيعي المسال بات خلال العقد الأخير أحد أهم مصادر الطاقة التي تعتمد عليها الدول الصناعية لتوليد الكهرباء وتشغيل المصانع، خصوصًا بعد التحولات التي شهدتها أسواق الطاقة العالمية في السنوات الأخيرة. الأكثر تأثرًا بالقرار تتركز التداعيات المباشرة لتعليق الإمدادات القطرية في القارة الآسيوية بالدرجة الأولى، حيث تتجه أكثر من 80 % من صادرات قطر من الغاز الطبيعي المسال إلى الأسواق الآسيوية.  وتشمل الدول الأكثر اعتمادًا على الغاز القطري الصين، اليابان، الهند، كوريا الجنوبية، وباكستان. وتعد الهند من أكثر الدول تأثرًا بهذا القرار، إذ تعتمد شركات توزيع الغاز والقطاع الصناعي في البلاد على عقود طويلة الأجل مع قطر لتأمين جزء مهم من احتياجاتها من الطاقة.  ومع توقف الشحنات، بدأت شركات الطاقة الهندية التحذير من تراجع الإمدادات للقطاع الصناعي وشبكات الغاز في المدن، ما قد يدفعها إلى شراء الغاز من السوق الفورية بأسعار أعلى بكثير من الأسعار التعاقدية. كما تتأثر الصين بشكل ملحوظ، حيث يُستخدم الغاز الطبيعي المسال القطري في تشغيل محطات الكهرباء وفي تزويد قطاعات صناعية واسعة بالطاقة.  وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن أي نقص مستمر في الإمدادات قد يدفع بعض الشركات إلى خفض الإنتاج أو البحث عن بدائل طاقة أكثر تكلفة. أما اليابان وكوريا الجنوبية، وهما من أكبر مستوردي الغاز الطبيعي المسال في العالم، فتعتمدان على الغاز المستورد لتوليد نسبة كبيرة من الكهرباء.  ومن شأن أي نقص في الإمدادات القطرية أن يدفعهما إلى زيادة وارداتهما من مصادر أخرى مثل الولايات المتحدة وأستراليا، وهو ما يرفع المنافسة على الشحنات الفورية ويرفع الأسعار العالمية. وفي أوروبا، ورغم أن الاعتماد على الغاز القطري أقل مقارنة بآسيا، فإن السوق الأوروبية تبقى شديدة الحساسية لأي نقص في الإمدادات العالمية، خصوصًا بعد أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب الروسية الأوكرانية.  وقد يؤدي أي تراجع في إمدادات الغاز المسال إلى زيادة الضغط على المخزونات الأوروبية ورفع الأسعار في السوق الفورية. قفزة في الأسعار انعكس تعليق الإمدادات القطرية سريعًا على الأسواق العالمية، حيث شهدت أسعار الغاز الطبيعي ارتفاعات ملحوظة في عدد من الأسواق الرئيسة. ففي أوروبا، ارتفعت أسعار الغاز في الأسواق المرجعية بنسبة كبيرة خلال فترة قصيرة نتيجة مخاوف نقص الإمدادات، في حين شهدت الأسواق الآسيوية قفزة أكبر نظرًا لاعتمادها المباشر على الشحنات القطرية. كما ارتفع السعر الفوري للغاز الطبيعي المسال في آسيا إلى مستويات تعد الأعلى منذ عدة سنوات، وهو ما يعكس حالة التوتر في الأسواق العالمية مع سعي المستوردين إلى تأمين إمدادات بديلة بسرعة. وفي هذا السياق قال محللو بنك غولدمان ساكس إن أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا قد ترتفع بأكثر من الضعف في حال توقف الشحن عبر مضيق هرمز لمدة شهر واحد. وبين البنك أن توقف الشحن لمدة شهر قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا والغاز الطبيعي المسال الفوري في آسيا بنسبة تصل إلى 130 %، لتبلغ نحو 25 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. وأضاف أنه في حال استمر التعطل لأكثر من شهرين، فمن المرجح أن ترتفع أسعار الغاز في أوروبا إلى ما فوق 100 يورو لكل ميغاواط/‏ساعة، أي ما يعادل نحو 35 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وهو مستوى قد يؤدي إلى تراجع كبير في الطلب العالمي على الغاز نتيجة ارتفاع الأسعار، فيما سيكون التأثير محدودًا في أميركا. تداعيات اقتصادية يومية  يُقدَّر حجم صادرات قطر السنوية من الغاز الطبيعي المسال بنحو 80 مليون طن، أي ما يعادل تقريبًا 220 ألف طن يوميًّا.  ومع ارتفاع الأسعار العالمية، فإن القيمة السوقية لهذه الكميات قد تصل إلى مئات الملايين من الدولارات يوميًّا. وبناءً على ذلك، فإن تعليق الصادرات ولو لفترة قصيرة قد يترتب عليه أضرار مالية يومية كبيرة سواء من حيث الإيرادات التي قد تتأخر على المنتجين، أو التكلفة الإضافية التي تتحملها الدول المستوردة عند شراء الغاز من السوق الفورية بأسعار أعلى بكثير. كما أن ارتفاع أسعار التأمين البحري وتكاليف الشحن نتيجة المخاطر الجيوسياسية في منطقة الخليج يضيف أعباءً إضافية على تجارة الطاقة العالمية. الاقتصاد العالمي لا تقتصر آثار الأزمة على قطاع الطاقة وحده، إذ إن ارتفاع أسعار الغاز ينعكس مباشرة على تكلفة الكهرباء والإنتاج الصناعي في العديد من الاقتصادات الكبرى. ففي أوروبا وآسيا، قد يؤدي استمرار ارتفاع الأسعار إلى زيادة معدلات التضخم وارتفاع تكاليف الإنتاج في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل صناعة الأسمدة والبتروكيماويات والمعادن. كما قد يدفع ارتفاع أسعار الغاز بعض الدول إلى العودة مؤقتًا إلى استخدام الفحم أو النفط لتوليد الكهرباء، وهو ما قد يعرقل خطط التحول نحو الطاقة النظيفة ويزيد الانبعاثات الكربونية عالميًا. ويرى خبراء الطاقة أن استمرار تعليق الإمدادات القطرية لفترة طويلة قد يقود إلى موجة جديدة من اضطرابات الطاقة العالمية، نظرًا للدور المركزي الذي تلعبه قطر في سوق الغاز الطبيعي المسال. حساسية سوق الطاقة تكشف التطورات الأخيرة مدى حساسية سوق الطاقة العالمية لأي اضطراب في إمدادات الغاز الطبيعي المسال، خاصة عندما يتعلق الأمر بدولة مثل قطر التي تعد أحد الأعمدة الرئيسة في هذا السوق. فأي توقف في الإمدادات القطرية يمكن أن يخلق تأثيرًا متسلسلًا يمتد من أسعار الطاقة إلى التضخم العالمي وسلاسل الإنتاج الصناعية.  وفي ظل استمرار التصعيد في المنطقة، تبقى الأسواق العالمية أمام حالة من عدم اليقين، بانتظار عودة الإمدادات إلى مستوياتها الطبيعية أو إيجاد بدائل قادرة على سد هذا النقص في السوق الدولية للطاقة.