"آخر الشهر".. حين تعرّي الخسارات المالية هشاشة الروح في دراما خليجية مغايرة
| طارق البحار
لم يعد "آخر الشهر" مجرد موعد لانتظار الراتب أو عبور ضائقة مالية عابرة، بل تحول في رؤية الكاتبة مريم نصير والمخرج باسل الخطيب إلى مجهر يغوص في تعقيدات النفس البشرية وصراعاتها الوجودية. فمن خلال قصة "صالح" التي يجسدها الفنان حسن البلام، نجد أنفسنا أمام رجل يغرق في دوامة من القرارات الخاطئة والمقامرة بمستقبل عائلته في دهاليز العملات الرقمية والبورصة، لينتقل البلام ببراعة لافتة من عباءة الكوميديا التي اعتادها الجمهور إلى تراجيديا الرجل المهزوم الذي يرفض الاعتراف بالخطأ، محولاً عجزه إلى محاولة سيطرة بائسة وصلت حد مطالبة ابنه بإيجار غرفته، بل والبحث عن سند عاطفي لدى جارتهم "نرجس" في محاولة لترميم انكساره الداخلي.
وفي المقابل، تبرز النجمة زهرة عرفات في دور "وضحة" كعمود خيمة يصارع الرياح العاتية، حيث تقدم شخصية الزوجة التي قضت عمرها تحاول فك شفرات رجل لم تفهمه تماماً، فتتأرجح بين الصبر والحكمة للحفاظ على شتات بيتها رغم طعنات الشك والخيانة. ولا تتوقف المسرحية الإنسانية عند الأبوين، بل تمتد لتطال الأبناء؛ حيث يعيش "ناصر" صراعاً مع طليقته "عذاري" المسكونة بعقدة ذنب قديمة منذ أيام الدراسة، بينما تختار الابنة "أمل" طريق العمل الصامت والمساندة الخفية لجارتهم، في تضاد صارخ مع جشع الأب وتيهه الأخلاقي.
لقد نجحت الكاتبة مريم نصير في صياغة نص واقعي بعيد عن المبالغات، جعلت فيه الأزمة المالية محركاً طبيعياً يكشف معادن الشخصيات ومبرراتها النفسية، وهو ما ترجمه المخرج باسل الخطيب برؤية بصرية منحازة للبساطة؛ حيث ابتعد عن فخ "الفلل الفاخرة" المتكرر في الدراما الخليجية، ليركز كاميرته الهادئة على تفاصيل البيت الشعبي البسيط، ملتقطاً بعناية نظرات الانكسار وتفاصيل الملامح التي تقول ما لا تقوله الحوارات. وبمشاركة نخبة من النجوم مثل لطيفة المجرن وشيماء علي، يقدم "آخر الشهر" وجبة درامية دسمة تعيد طرح الأسئلة الجوهرية حول المسؤولية والضمير، مؤكداً أن الخسارة الحقيقية ليست في رصيد البنك، بل في انفضاض القلوب وتدمير الروابط التي لا تُشترى بالمال.
في مسلسل "آخر الشهر" تتجلى عبقرية زهرة عرفات في قدرتها على تجسيد دور الزوجة التي "تعرف كل شيء" وتختار الصبر كاستراتيجية بقاء لا كدليل ضعف؛ فهي في مواجهاتها مع البلام لا تصرخ، بل تواجهه بحقيقة تحوله من رب أسرة إلى مقامر خسر حتى ضميره، وهو ما وضع البلام في اختبار حقيقي للخروج من إطاره الكوميدي المعتاد ليجاري ثباتها الانفعالي وعمقها التراجيدي. هذا التناغم المتنافر بين كبرياء "وضحة" وانكسار "صالح" المكتوم بالإنكار، هو ما منح العمل ثقله الإنساني، وجعل من علاقتهما مرآة تعكس كيف يمكن للضغوط المادية أن تعيد صياغة المشاعر، محولةً المودة إلى شك، والبيت إلى ساحة للمكاشفة المؤلمة.