جمهورية بلا موز

| محمد عبدالله العلي

اثنتا‭ ‬عشرة‭ ‬دولة‭ ‬وَقَّعت‭ ‬على‭ ‬وثيقة‭ ‬استسلام‭ ‬اليابان‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬تلك‭ ‬الدول‭ ‬كانت‭ ‬الصين،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬توقيع‭ ‬شو‭ ‬يونغ‭ ‬تشانغ‭ ‬ممهورًا‭ ‬عليها‭. ‬كان‭ ‬حضور‭ ‬اسم‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬الوثيقة‭ ‬ليس‭ ‬باعتبارها‭ ‬دولة‭ ‬عظمى‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة،‭ ‬بل‭ ‬لكون‭ ‬أراضيها‭ ‬كانت‭ ‬عُرضة‭ ‬لاحتلال‭ ‬ياباني‭ ‬مرير‭.‬

بين‭ ‬مشهد‭ ‬الصين‭ ‬المنهارة‭ ‬عسكريًا‭ (‬نتيجة‭ ‬الاحتلال‭ ‬الياباني‭) ‬والمنقسمة‭ ‬سياسيًّا‭ (‬نتيجة‭ ‬الصراع‭ ‬القومي‭ ‬الشيوعي‭) ‬وبين‭ ‬العام‭ ‬1978م‭ (‬عندما‭ ‬نهضت‭ ‬فعليًّا‭) ‬ليس‭ ‬زمنًا‭ ‬طويلاً‭. ‬وبين‭ ‬نهاية‭ ‬السبعينيات‭ ‬واليوم‭ ‬حيث‭ ‬تقود‭ ‬الصين‭ ‬90‭ % ‬من‭ ‬التقنيات‭ ‬المتطورة‭ ‬عالميًّا‭ (‬وفقًا‭ ‬للمعهد‭ ‬الأسترالي‭ ‬للسياسات‭ ‬الاستراتيجية‭) ‬ليس‭ ‬بسنوات‭ ‬طوال‭. ‬إنه‭ ‬مشهد‭ ‬لدولة‭ ‬تطورت‭ ‬بشكل‭ ‬استثنائي‭.‬

في‭ ‬عام‭ ‬2025م،‭ ‬وعندما‭ ‬قُيِّمَت‭ ‬أبحاث‭ ‬لـ‭ ‬74‭ ‬تقنية،‭ ‬تصدَّرت‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬66‭ ‬تقنية‭ ‬منها،‭ ‬متقدمة‭ ‬بـ‭ ‬85‭ % ‬عن‭ ‬العام‭ ‬الماضي،‭ ‬حين‭ ‬لم‭ ‬تتصدَّر‭ ‬سوى‭ ‬في‭ ‬5‭ % ‬فقط‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تقنيات‭ ‬عادية،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬حساسة،‭ ‬كالأقمار‭ ‬الصناعية،‭ ‬والطاقة‭ ‬النووية،‭ ‬والبيولوجيا‭ ‬الاصطناعية‭. ‬أما‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأميركية،‭ ‬فكان‭ ‬نصيبها‭ ‬المتبقي‭ ‬من‭ ‬سلة‭ ‬الـ‭ ‬74‭ ‬تقنية،‭ ‬ثماني‭ ‬تقنيات‭ ‬فقط‭.‬

عندما‭ ‬تدخل‭ ‬على‭ ‬منصات‭ ‬الأبحاث‭ ‬العلمية‭ ‬المُحكَّمَة،‭ ‬تلاحظ‭ ‬حجم‭ ‬الإنتاج‭ ‬البحثي‭ ‬الصيني‭ ‬الهائل،‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المجالات‭. ‬قد‭ ‬يعتقد‭ ‬البعض‭ ‬أنهم‭ ‬يبحثون‭ ‬في‭ ‬الصناعات‭ ‬فقط،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬المنشور‭ ‬في‭ ‬أهم‭ ‬المجلات‭ ‬يتناول‭ ‬كل‭ ‬المجالات،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية،‭ ‬التي‭ ‬أدمِجَت‭ ‬ووُظِّفَت‭ ‬في‭ ‬الصناعات‭ ‬الأخرى،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬بدا‭ ‬واضحًا‭ ‬في‭ ‬مشاريعها‭ ‬في‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭.‬

هذا‭ ‬الوضع‭ ‬جعل‭ ‬الأميركيين‭ ‬يعتقدون‭ ‬أن‭ ‬المنافسة‭ ‬الصينية‭ ‬جِدِّيَّة،‭ ‬فسعوا‭ ‬لمواجهة‭ ‬ذلك‭ ‬بشتى‭ ‬الطرق،‭ ‬بما‭ ‬فيه‭ ‬التجنيد‭ ‬الاستخباراتي‭ ‬التخريبي.

وخلال‭ ‬الشهر‭ ‬الماضي‭ ‬فَتَحَت‭ ‬الاستخبارات‭ ‬الأميركية‭ ‬باب‭ ‬التجنيد‭ ‬“علنا‭ ‬وبدون‭ ‬حياء”‭ ‬أمام‭ ‬الضباط‭ ‬والدبلوماسيين‭ ‬والعلماء‭ ‬الصينيين‭ ‬للعمل‭ ‬معها،‭ ‬وتقديم‭ ‬ما‭ ‬يملكونه‭ ‬من‭ ‬معلومات‭ ‬عن‭ ‬بلادهم،‭ ‬واعتبار‭ ‬ذلك‭ ‬وكأنه‭ ‬“فرصة‭ ‬عمل”‭.‬

اليوم‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الصين‭ ‬جمهورية‭ ‬موز‭ - ‬كما‭ ‬كان‭ ‬يُقال‭ ‬عنها‭ ‬تهكمًا‭ ‬كناية‭ ‬عن‭ ‬الضعف‭ ‬–‭ ‬كي‭ ‬تُهدَّد‭ ‬بهذه‭ ‬الطريقة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬اليوم‭ ‬دولة‭ ‬متقدمة‭ ‬قوية،‭ ‬أثبتت‭ ‬أنها‭ ‬مصنع‭ ‬العالَم‭.‬

 

 

كاتب‭ ‬بحريني