كيف يعزز تراجع أميركا عن السيارات الكهربائية هيمنة الصين على الأسواق العالمية؟
| طارق البحار
يثير التراجع المتسارع في زخم السيارات الكهربائية داخل الولايات المتحدة مخاوف متنامية من أزمة وجودية قد تواجه صناعة السيارات الأميركية، في وقت تتقدم فيه الشركات الصينية بخطى ثابتة في التقنيات التي يُنظر إليها على نطاق واسع باعتبارها ملامح الحقبة المقبلة في عالم المركبات.
أحدث الإشارات التحذيرية جاءت مع إعلان مجموعة ستيلانتس عن تسجيل خسائر وإعادة تقييم أصول بقيمة 26 مليار دولار ضمن خطة إعادة هيكلة واسعة، شملت تقليص الرهان على السيارات الكهربائية، ما أدى إلى هبوط حاد في سهم الشركة. وأقر الرئيس التنفيذي أنطونيو فيلوسا بأن الشركة بالغت في تقدير سرعة التحول في قطاع الطاقة.
هذا التحول لا يقتصر على ستيلانتس. فشركات أميركية عدة عادت للتركيز على الشاحنات الكبيرة والسيارات الرياضية متعددة الاستخدامات ذات الاستهلاك المرتفع للوقود، مثل فورد F-150 وشفروليه سوبربان، في وقت تسير فيه الشركات الصينية بالاتجاه المعاكس، معتمدة على السيارات الكهربائية كقاطرة توسعها العالمي.
شركتا جنرال موتورز وفورد موتور تكبدتا مليارات الدولارات من الخسائر في استثماراتهما الكهربائية، وبدأتا في تقليص الخطط بعد انتهاء الحوافز الضريبية الفيدرالية وتباطؤ الطلب الاستهلاكي. وحتى تسلا، التي قادت موجة التحول الكهربائي عالمياً، تواجه ضغوطاً متزايدة، بعدما تجاوزتها الصينية بي واي دي في مبيعات السيارات الكهربائية، وتراجعت حصتها في السوق الأوروبية مع تصاعد المنافسة.
في المقابل، ارتفعت الحصة السوقية العالمية للعلامات التجارية الصينية بنحو 70 % خلال خمس سنوات، وسط توقعات بدخولها السوق الأميركية مستقبلاً. ويحذر خبراء من أن شركات مثل جيلي وBYD قد تُغرق الأسواق العالمية بمنتجات منخفضة التكلفة، مستفيدة من سلاسل توريد متكاملة ودعم حكومي واسع.
ورغم أن واشنطن فرضت رسومًا جمركية بنسبة 100 % على السيارات الكهربائية المستوردة من الصين، فإن الشركات الصينية حققت اختراقات ملحوظة في أوروبا وأميركا الجنوبية وأسواق ناشئة أخرى. ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة بالنظر إلى أن قطاع السيارات يمثل نحو 5 % من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي.
ويرى تيري وويشوفسكي، الرئيس التنفيذي لقطاع السيارات في شركة Caresoft Global، أن الصناعة الصينية تمثل “تهديداً وجودياً” لشركات السيارات التقليدية. ويتفق معه عدد من الخبراء، مؤكدين أن الخطر لا يكمن في السيارات الكهربائية وحدها، بل في مزيج الدعم الحكومي المستدام وسرعة التنفيذ والتكامل الصناعي.
الصعود الصيني لم يأتِ من فراغ. فمنذ عام 2023 أصبحت الصين أكبر مُصدّر للسيارات في العالم، مدفوعة بسياسات تمويل حكومية وثقافة إنتاج عالية الكفاءة. ووفق بيانات GlobalData، قفزت مبيعات السيارات الكهربائية الصينية عالمياً بنحو 800 % خلال خمس سنوات، فيما ارتفعت المبيعات خارج الصين بأكثر من 1300 %.
في المقابل، تراجعت الحصة السوقية العالمية لما يُعرف بـ”الثلاثة الكبار” في ديترويت، جنرال موتورز وفورد وستيلانتس من 21.4 % في 2019 إلى نحو 15.7 % متوقعة في 2025، بحسب S&P Global Mobility. بينما ارتفعت حصة BYD و”جيلي” من أقل من 3 % إلى أكثر من 11 %.
وتواصل الشركات الصينية التوسع في كندا وأميركا اللاتينية والهند والمكسيك، إضافة إلى أوروبا حيث ارتفعت حصتها السوقية إلى نحو 10 % بنهاية العام الماضي. ويقول محللون إن التحول إلى الكهرباء منح الشركات الصينية أفضلية استراتيجية، خاصة مع سعي بكين إلى تقليل اعتمادها على النفط وتعزيز ريادتها التكنولوجية.
وتتوقع GlobalData أن تصل مبيعات السيارات الكهربائية الصينية عالميًّا إلى 6.5 ملايين وحدة بحلول 2030، ثم إلى 8.5 ملايين في 2035، مع احتمال توسع تدريجي داخل الولايات المتحدة نفسها.
في الداخل الأميركي، تعكس الأرقام حجم التراجع. فقد بلغت حصة السيارات الكهربائية من مبيعات المركبات الجديدة ذروتها عند 10.3 % في سبتمبر الماضي، قبيل انتهاء الحوافز، قبل أن تنخفض إلى نحو 5.2 % في الربع الرابع، وفق Cox Automotive. وأعلنت جنرال موتورز وفورد شطب أصول تتجاوز 27 مليار دولار نتيجة تقليص خطط الطرازات الكهربائية.
أما ستيلانتس، فأعلنت إعادة إدخال محركات V8 إلى بعض طرازاتها في السوق الأميركية، في خطوة تعكس تغير المزاج الصناعي. وفي المقابل، تراهن فورد على تطوير منصة جديدة لسيارات كهربائية صغيرة منخفضة التكلفة، معتبرة أن المنافسة الحقيقية ليست مع الشركات الغربية، بل مع الصين.
شركات ناشئة أميركية مثل ريفيان ولوسيد موتورز تواجه بدورها تحديات تتعلق بالربحية والطلب، وتحاول إعادة تقديم نفسها كشركات تكنولوجيا أكثر من كونها مصنّعي سيارات.
إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لتسلا، حذّر مراراً من قوة المنافسين الصينيين، معتبراً أنهم قد “يسحقون” المنافسة العالمية دون حواجز تجارية. لكنه في الوقت نفسه أعاد توجيه تركيز شركته نحو مجالات الروبوتات والقيادة الذاتية والذكاء الاصطناعي، معلناً إنهاء إنتاج بعض الطرازات القديمة لإعادة توظيف مصانعها في مشاريع جديدة.
في المحصلة، يبدو أن تراجع الولايات المتحدة عن زخمها الكهربائي يمنح الصين نافذة تاريخية لتعزيز حضورها العالمي. وبينما تسعى واشنطن لحماية صناعتها عبر الرسوم الجمركية والسياسات الحمائية، تواصل بكين توسيع نفوذها بهدوء وثبات، في سباق قد يعيد رسم خريطة صناعة السيارات العالمية لعقود مقبلة.
الصين تتقدم وأوروبا تتردد
في وقت تتسارع فيه وتيرة التحول نحو السيارات الكهربائية عالمياً، تتحول أميركا الجنوبية إلى ساحة مواجهة جديدة بين الصين وأوروبا. فمن البرازيل إلى الأرجنتين، تتقدم شركات السيارات الصينية بخطى واسعة، بينما تبدو أوروبا أكثر حذرًا في حسم اتفاقات تحرير التجارة التي كان يُفترض أن تعزز حضورها في المنطقة.
في البرازيل، يجسد الشقيقان فيليبي أندرادي (23 عامًا) وكارلوس ألبرتو أندرادي (26 عامًا) ملامح جيل جديد من قادة صناعة السيارات. فهما وريثا مجموعة CAOA البرازيلية، التي أسسها والدهما عام 1979، والتي رسخت حضورها في تصنيع واستيراد وبيع السيارات داخل البلاد.
تدير CAOA مصنعاً للتجميع في أنابوليس ينتج طرازات من “هيونداي” و”شيري”، كما تمتلك شبكة وكلاء واسعة لعلامات آسيوية عدة. والآن، يخطط الشقيقان لإطلاق إنتاج سيارات لعلامة صينية جديدة هي شانجان في وقت لاحق من هذا العام، في خطوة تعكس عمق التمدد الصيني داخل أكبر اقتصاد في أميركا اللاتينية.
ورغم أن سوق السيارات البرازيلية لا تزال تهيمن عليها محركات الاحتراق الداخلي التابعة لعلامات مثل فيات وفولكسفاغن وهيونداي، فإن المؤشرات تتغير بسرعة. فقد ضاعف مصنع أنابوليس إنتاجه من 30 ألف سيارة عام 2023 إلى نحو 60 ألفاً في العام التالي، مع توقعات بالوصول إلى 70 ألف سيارة. وتشير دراسة لشركة Bright Consulting إلى أنه بحلول عام 2030 قد تأتي سيارة واحدة من كل خمس سيارات جديدة تُباع في البرازيل من الصين.
المشهد ذاته يتكرر في الأرجنتين. ففي 20 يناير، رست للمرة الأولى ناقلة السيارات الصينية “BYD Changzhou” في ميناء زاراتي، محملة بنحو 5841 مركبة، بينها طرازات كهربائية بالكامل وأخرى هجينة. الشركة التي تقف خلف هذه الشحنة هي بي واي دي، أكبر مُصنّع للسيارات الكهربائية في العالم من حيث عدد الوحدات المباعة.
بدأت BYD تسويق سياراتها في الأرجنتين العام الماضي عبر شركة تابعة مملوكة بالكامل لها، محتفظة بسلسلة القيمة تقريباً داخل الإطار الصيني. وتهدف الشركة إلى تصدير 50 ألف سيارة سنوياً إلى السوق الأرجنتينية، مستفيدة من سياسات التحرير التي أطلقها الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، والذي خفف القيود على واردات السيارات الهجينة والكهربائية.
وبموجب التعديلات الجديدة، تم إقرار حصة سنوية تبلغ 50 ألف سيارة يمكن استيرادها دون دفع التعرفة الجمركية القياسية البالغة 35 %، مع إمكانية استمرار هذا النظام حتى عام 2029، ما يفتح الباب أمام دخول ربع مليون سيارة معفاة من الرسوم خلال تلك الفترة.
في أوروغواي، العضو الآخر في تكتل ميركوسور، ارتفعت مبيعات السيارات الكهربائية بنسبة 147 % خلال عام 2025، وفق بيانات رابطة السيارات المحلية، في مؤشر إضافي على التحول المتسارع في المنطقة.
في المقابل، كانت شركات السيارات الأوروبية تعوّل على اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وميركوسور لتعزيز موقعها في البرازيل والأرجنتين وباراغواي وأوروغواي. غير أن إحالة الاتفاقية إلى محكمة العدل الأوروبية لمراجعتها قانونياً ألقى بظلال من الشك على توقيت دخولها حيز التنفيذ، وأثار مخاوف بشأن موثوقية أوروبا كشريك تجاري.
وترى رابطة صناعة السيارات الألمانية (VDA) أن الاتفاقية كانت ستخفض الرسوم المرتفعة في ميركوسور، التي تتراوح بين 14 % و18 % على قطع الغيار وتصل إلى 35 % على السيارات الجديدة، ما كان سيمنح الشركات الأوروبية فرصة أوسع للمنافسة. حالياً، تدير الشركات الألمانية نحو 310 مواقع إنتاج في دول ميركوسور، معظمها لموردي قطع الغيار، وقد بلغ إنتاجها في المنطقة خلال النصف الأول من 2025 نحو 289 ألف سيارة ركاب، بينما صدّرت 18 ألف سيارة فقط من أوروبا إلى هناك.
وسط هذه التحولات، تتغير موازين القوى في سوق السيارات العالمي بالتوازي مع تحولات جيوسياسية أوسع. الصين تتحرك بسرعة، مدعومة بقدرات تصنيع ضخمة وسلاسل توريد متكاملة ورؤية تصديرية واضحة، فيما تتريث أوروبا تحت وطأة الحسابات القانونية والسياسية.
المعركة على سوقي البرازيل والأرجنتين، الأكبر في أميركا الجنوبية بدأت فعلياً. وبينما تتوسع السفن الصينية المحملة بالسيارات الكهربائية عبر موانئ القارة، يترقب الأوروبيون نتائج رهاناتهم التجارية. في هذا السباق، السرعة قد تكون العامل الحاسم.
**المصادر:
Cnbc
Dw