من القيم إلى القيادة: كيف صنعت المبرة نموذجًا عربيًّا تنمويًّا متقدمًا؟

التمكين المؤسسي للشباب.. قراءة موجزة في مسيرة “المبرة الخليفية”

| سعيد محمد سعيد

منذ تأسيسها في عام 2011 كمؤسسة غير ربحية مرخصة ومسجلة رسميًّا في مملكة البحرين، رسخت المبرة الخليفية نموذجًا عربيًّا متقدمًا في العمل المؤسسي الذي يزاوج بين التعليم وتمكين الشباب بوصفه استثمارًا في رأس المال البشري، لا مجرد نشاط خيري تقليدي.

رؤية قيادية

وعلى امتداد أكثر من عقد، استطاعت المبرة أن تتحول إلى تجربة بحرينية متفردة ذات أثر ممتد، تتقدمها رؤية قيادية واضحة تؤمن بأن التنمية الحقيقية تبدأ من بناء الإنسان.

منظومة متكاملة

وتبرز قوة تجربة المبرة الخليفية في أنها لا تكتفي بتقديم الدعم التعليمي، بل تعمل ضمن منظومة متكاملة لبناء القيم وتنمية المهارات القيادية منذ المراحل العمرية المبكرة، وتقديم فرص تعليمية وتدريبية تعزز اعتماد الفرد على ذاته، وتزيد من جاهزيته للاندماج في سوق العمل والحياة العامة، فهذا المنهج يجعل من المؤسسة حالة لافتة على مستوى الوطن العربي، إذ تركز على النتيجة والأثر وتحوّل العمل المجتمعي إلى برنامج قابل للقياس والتطوير.

فلسفة المبرة

وفي الثامن عشر من فبراير الجاري 2026، أعلنت المؤسسة تنفيذ النسخة الثالثة من برنامجي “إثراء البراعم” و”إثراء الناشئة”، واختتام فعالياتهما، ويقدم هذان البرنامجان مثالًا واضحًا على فلسفة المبرة: بناء القيم والمهارات من عمر مبكر عبر تعليم تفاعلي يناسب الفئات العمرية، فـ”إثراء البراعم” يركز على غرس القيم الأساسية، وتنمية المهارات الاجتماعية، وبناء الثقة بالنفس لدى الأطفال، بينما يتجه “إثراء الناشئة” إلى تطوير مهارات القيادة الذاتية، والتواصل، والتفكير النقدي، وتحمل المسؤولية، وتمكين الناشئة من التعبير عن آرائهم وصناعة أثر إيجابي في محيطهم.

قياس النتائج

ولا يتوقف “إثراء” عند التدريب النظري، بل يدمج التعلم التطبيقي عبر الأنشطة الرياضية والتفاعلية التي تعزز العمل الجماعي والانضباط وروح الفريق، مع اهتمام واضح بالصحة النفسية الإيجابية وتنمية الذكاء العاطفي والمهارات الحياتية ضمن بيئة تعليمية آمنة ومحفزة، كما يختتم الموسم بمحطات تطبيقية لقياس الأثر واستعراض المهارات المكتسبة، وهو توجه نادر عربيًّا في برامج النشء، حيث تُقاس النتائج بدل الاكتفاء بإعلان النشاط.

قيم وهوية

وفي هذا السياق، تؤكد سمو الشيخة زين بنت خالد آل خليفة، رئيس مجلس الأمناء، أن الاستثمار في طاقات الشباب هو الأجدى، وأن برامج “إثراء” تسعى لتزويد الأبناء بالمعرفة والمهارات الحياتية التي تمكّنهم من الاعتماد على الذات واتخاذ قرارات راسخة وصناعة مستقبلهم بثقة، بما ينسجم مع تقارير المهارات العالمية ومتطلبات المرحلة المقبلة. هذه الرسالة تختصر جوهر التجربة: تجهيز أجيال الغد بمهارات القرن الجديد على أرضية قيم وطنية وهوية بحرينية.

شراكات استراتيجية

ومن مؤشرات تميز المبرة أيضًا قدرتها على بناء شراكات استراتيجية متعددة؛ إذ جاء تنفيذ البرامج بالتعاون مع جهات حكومية ومجتمعية متنوعة مثل هيئة البحرين للسياحة والمعارض، وأمانة العاصمة، ومديرية شرطة العاصمة، والمكتبة الخليفية، وخبراء في العادات البحرينية، إلى جانب مؤسسات رياضية وتعليمية، وهذا التنوع يؤكد أن المبرة لا تعمل بمعزل، بل تُحسن إدارة شبكة شراكات تجعل مشروعها أكثر رسوخًا واستدامة.

برامج مستدامة

وتتناغم برامج المبرة مع أهداف التنمية المستدامة، خاصة التعليم الجيد والصحة والرفاه، من خلال تقديم برامج شاملة ومستدامة تدمج القيم الوطنية والهوية في المحتوى التدريبي، ويتضح ذلك حين نعود إلى يناير 2026، حيث عززت المؤسسة هذا المسار في استقبال الشيخ محمد بن عيسى آل خليفة مستشار الشؤون السياسية والاقتصادية بديوان ولي العهد، عضو مجلس الإدارة ورئيس اللجنة المالية والإدارية لبرنامج ولي العهد للمنح الدراسية العالمية، حيث اطلع على البرامج وبحث مجالات التعاون، في دلالة على أن المؤسسة تُدار بعقلية تطويرية تستجيب لمتطلبات سوق العمل وتؤمن بالتكامل مع المبادرات الوطنية الكبرى.

ميزة تنافسية

وإذا أردنا تلخيص التجربة البحرينية المتفردة للمبرة الخليفية في “ميزة تنافسية عربية”، فهي أنها جعلت التمكين عملية منظمة تبدأ من القيم والهوية، تمر عبر المهارات الحياتية والقيادية، وتنتهي بأثر قابل للقياس، ضمن شراكات فاعلة وتطوير مستمر، بهذا النهج، تتجاوز المبرة مفهوم الدعم إلى مفهوم بناء الكفاءة، لتصبح واحدة من أبرز التجارب العربية التي تؤكد أن الاستثمار في الشباب ليس شعارًا، بل مشروع دولة ومجتمع.