"مجالس القرآن" في البحرين.. بوصلة الروح التي لا تغيب في رمضان

| طارق البحار

مع أول خيط من هلال شهر رمضان، يعلو في أرجاء البحرين صوت يتجاوز صخب الأيام، هو صوت التلاوات المترددة في “مجالس القرآن”. في المنامة والمحرق، وفي القرى الممتدة من الشمال إلى الجنوب في المساجد والبيوت والحسينيات، تستعيد هذه المجالس حضورها بوصفها جزءًا أصيلاً من الذاكرة الجماعية، وإرثًا روحيًا حافظ على مكانته عبر الأجيال، ويعمد الكثير من الأهالي إلى فتح مجالسهم لتلاوة القرآن طوال ليالي الشهر الفضيل. ورغم أن أبوابها لا تُغلق طوال العام، فإن لرمضان خصوصية تمنحها بُعدًا مختلفًا، إذ تتحول من لقاءات اعتيادية إلى مساحة جامعة تلتقي فيها الأرواح قبل الأجساد، وتتجدد فيها صلة الأبناء بتراث الآباء.

في القرى والمدن، تتشكل حلقات متقاربة يجلس فيها الصغار إلى جوار الكبار، يتعلمون مخارج الحروف وأحكام التجويد، ويتشربون في الوقت ذاته قيم الاحترام والإصغاء، وتمتزج أجواء التلاوة بعبق القهوة العربية والبخور والسحور، لتغدو ملتقيات تحمل بعدًا ثقافيًا واجتماعيًا إلى جانب رسالتها الدينية. هذا الامتداد الواسع ليس مشهدًا عابرًا، بل انعكاس لرسوخ الهوية الإسلامية في الوجدان البحريني، حيث يجد الصائم في هذه الجلسات سكينة تكمل يومه وتمنح ليله طمأنينة خاصة، وهي مفتوحة للجميع من المواطنين والوافدين والسياح.

وتبرز في رمضان ملامح تناغم لافت بين الوقار التعبدي وروح الألفة؛ فالمجالس لا تقتصر على تصحيح التلاوة، بل تؤدي دورًا اجتماعيًا يعزز روابط الجيرة والقرابة، حتى باتت أشبه بمساحات حوار إيماني مفتوحة. ومع دخول عام 2026، أثبتت هذه المجالس قدرتها على مواكبة العصر دون أن تفقد أصالتها، مستفيدة من المنصات الرقمية لنقل تلاواتها مباشرة إلى جمهور أوسع.

وهكذا تظل البحرين واحة للقرآن، يتردد صداه في البيوت والمساجد والمجالس، ويأتي رمضان كل عام ليجعل من المملكة مصحفًا مفتوحًا تتوحد فيه الأصوات على معاني الخير والبركة عند الكبار والصغار.