معرض البحرين للفنون التشكيلية.. بانوراما بصرية تحتفي بتحولات الإنسان والمكان
| البلاد: شيرين فريد
افتُتح معرض البحرين السنوي للفنون التشكيلية في نسخته الثانية والخمسين بحضور سمو الشيخ محمد بن سلمان بن حمد آل خليفة، مؤكّدًا حضوره كأحد أهم المحطات الثقافية في المشهد البصري البحريني، حيث اجتمعت تجارب فنية متنوعة عكست ثراء الرؤى وتعدد الأساليب في تظاهرة جمعت بين الرسم، والنحت، والفن التركيبي، والحروفيات، والتقنيات المختلطة.
شهد المعرض مشاركة نخبة من الفنانين الذين قدّموا أعمالًا تعبّر عن تحولات الإنسان، والهوية، والذاكرة، والبيئة، والرمز، في سياقات تشكيلية معاصرة تتقاطع فيها التجربة الذاتية مع الوجدان الجمعي.
قدّم الفنان جعفر العريبي عمله “بحيرة الملح” بقياس 56 × 76 سم، منفّذًا بتقنيات تجمع بين الطباعة اليدوية والتصوير الفوتوغرافي والملح على ورق أرتش، مستكشفًا علاقة الإنسان ببيئته وذاكرة المكان، مستلهمًا مواقع استخراج الملح بوصفها ذاكرة مكانية غنية بالرموز والتجارب التاريخية، مؤكدًا أن الفكرة هي المرحلة الأصعب في أي تجربة فنية، وأن المشروع امتداد لمسار فني اشتغل عليه على مدار ثلاث سنوات.
وفي المجال النحتي، شارك أحمد عنان بعملين خزفيين؛ الأول بعنوان “هدنة معلّقة”، الذي يستحضر التوتر القائم بين الحرب والسلام، والثاني “وهم الانتظار”، الذي يشبّه العالم بلعبة مستمرة يكون الإنسان فيها بين المواجهة والترقب، في قراءة رمزية لحالة اللايقين المعاصرة. فيما قدّم الفنان الرائد إبراهيم بوسعد ثلاث لوحات زيتية ركّز فيها على طاقة اللون والبناء التشكيلي الحر، والعلاقة البصرية بين الكتل والمساحات. وعمدت بلقيس فخرو في عملها، الذي يتجاوز الفضاء البصري والجمالي، نحو استكشاف البنية التشكيلية واللون لتوليد إحساس وجداني، مركّزة على التجربة الذاتية والتفاعل بين اللون والفراغ والضوء لإيصال مشاعر دقيقة.
بينما قدّم حيدر الشيباني عملًا بعنوان “مصحف بالخط الكوفي”، مستندًا إلى جماليات الخط العربي ضمن معالجة تشكيلية معاصرة تجمع بين البعد الروحي والبناء الجمالي.
ومزجت الشيخة رشا آل خليفة بين الألوان الزيتية والخيوط القطنية في عملها “صحيفة الصباح”، مضيفة بُعدًا ملمسيًا للتجربة البصرية. يركز العمل على مشهد أخيها وهو يتصفح الجريدة، ما يضفي بُعدًا شخصيًا وعائليًا ويجعل المشهد مليئًا بالدفء والعلاقة الحميمة بين أفراد الأسرة. في الخلفية، تظهر لوحة للفنان التشكيلي المصري ووزير الثقافة السابق فاروق حسني، مما يضفي طبقة من الوعي الثقافي والتقدير للفن المصري، ويحوّل اللوحة إلى مساحة تتقاطع فيها الحميمية اليومية مع الذاكرة الفنية والتاريخية.
كما أضافت الشيخة رشا عنصرًا واقعيًا آخر من خلال وضع دلة الشاي في المشهد، لتمنح اللوحة بُعدًا ثالثًا من العمق المكاني، حيث يتيح هذا العنصر التلاعب بالمسافة والقرب في تكوين اللوحة، ويحوّل المشهد البصري إلى تجربة متكاملة بين الحياة اليومية والفن والثقافة.
في حين تناول الفنان سعيد رضي في سلسلة أعماله “مناجاة” الطبيعة من منظور وجداني وتأملي، حيث استحضر الهواجس والانفعالات الداخلية عبر تشكيلات لونية تعكس التوازن بين الهدوء والتوتر، وتعمل كوسيط يحاكي الحالات النفسية والوجدانية للإنسان.
واستعرض الفنان القدير عدنان الأحمد في أعماله الثلاث “درس خصوصي” العلاقة بين الإنسان وتجارب الحياة، محوّلًا المفهوم التعليمي إلى استعارة وجودية، ومشيرًا إلى أن الألوان والرموز في عمله تعكس القلق الداخلي والتجارب التي تشكّل الهوية الإنسانية.
وقدّمت لطيفة الشيخ عمل “سرد متحرك”، مزجت فيه الأكريليك والكولاج والفن الرقمي، لتخلق تجربة بصرية تجمع بين الوسائط المتعددة والحركة الديناميكية، مجسّدة الانفتاح على التجربة الحياتية التي تعكس تفاعل الإنسان مع محيطه.
بينما عبّرت نور الصيرفي في سلسلة “46 صدى” عن سنوات عمرها، واستحضرت رمز الفراشة للتحوّل والتغير. لقد حوّلت كل لوحة إلى حكاية صغيرة تمثل تجربة وجدانية متصلة بالذات، هدفها استكشاف الارتباط بين الزمن والهوية والتجربة الشخصية.
واستحضرت هدير البقالي البحر بوصفه رمزًا للهوية والانتماء في “بحر البحرين”، وعادت مريم فخرو في “جزر الذاكرة” إلى بيت الجد في المحرق، بينما قدّم سلمان النجم عمل “أنشودة الفرح” كمساحة لونية لتحرير الذاكرة والانفعالات. وعكست أعمال عباس سرحان أشجار القرم في الهملة، وشارك الفنان الرائد عبدالله المحرقي بعملين “الخيمة والجمل” و”الخروج من الجنة”، مستوحاة من الرموز التراثية المحلية ضمن معالجة معاصرة، حيث استلهم من البيئة البحرينية والطبيعة ليحوّلها إلى تشكيلات فنية تتناول الوجود وتُجسّد رحلة الإنسان بين الانتماء والتحرر، وبين الواقع والرمزية، مستخدمًا الأكريليك والبناء اللوني لإبراز التوازن بين الفكرة والمشهد البصري.
وفي مجال النحت أيضًا، قدّم الرائد علي المحميد عملين من الألمنيوم بعنوان “حرية 1” و”حرية 2”، مستلهمًا الطيور بوصفها رمزًا للحرية والسلام، وأضاف الحروفية إلى تكوينه، مؤكدًا أن التصميم هو التحدي الأكبر في تجربته. فيما استعاد المعرض تجربة الفنان الراحل علي إبراهيم مبارك عبر أربعة أعمال بعنوان “أثر”، تكريمًا لمسيرة امتدت أربعة عقود وأسهمت في إثراء المشهد التشكيلي محليًا ودوليًا.
كما شهد المعرض مشاركات لافتة للفنانين: لمي المؤيد في عملها “بين الظلال”، محسن غريب في سلسلة “حلوة”، محمد بو حسن بعمل تركيبي بعنوان “أثر الطباشير”، محمد تقي في “الشاهد المتواضع – مسرح المنفّي”، الذي يؤكد على تأثير الثقافات واللغات المختلفة على حياة الإنسان وأنها قادرة على تغييره، والفنانة شوق الشاوي التي قدّمت عملًا بعنوان “زهور التوليب”، جسّدت فيه حركة الطبيعة وروحها الحية من خلال انسيابية اللون وتدرجاته المتقنة، ما أضفى على اللوحة حيوية لونية ونبضًا بصريًا يعبر عن التفاعل بين الإنسان والفضاء الطبيعي.
وتقدّمت الدكتورة زينب المحسن بثلاث لوحات صغيرة، حسين علي في أعماله “حلم”، جيهان صالح بعمل “ديجافو”، أصغر إسماعيل بثلاثة أعمال مستوحاة من البيئة البحرينية والوجوه الشعبية، إبراهيم الغانم بثلاثة أعمال مائية بعنوان “أثر”، مريم دشتي بعملين بعنوان “اللعبة الإنسانية”، عباس الموسوي في “ليالي المحرق”، عائشة حافظ بعمل نحتي بعنوان “حراس الصمت”، الذي يعكس فلسفتها في استخدام المادة والحجم والكتلة للتعبير عن حالات وجدانية عميقة، عادل العباسي بعمل “تفاح المحرّمة”، والفنان جمال اليوسف بعمل جداري من الزجاج بعنوان “وجوه”.
وأوضح اليوسف أن العمل يتكون من ستة وجوه تجريدية شُكّلت عبر التراكب والنحت والصهر الكامل، مؤكدًا أن الجمال الإنساني يكمن في الاختلاف والتفرّد، وأن الفرن استُخدم استعارة للحياة نفسها، حيث تُعاد تشكيل الملامح بفعل الزمن والتجربة والضغط، والوجوه المذابة تعكس سيولة الهوية وحضور الإنسان بصدق؛ فالعمل ليس بورتريهات لأشخاص محددين، بل أصداء للإنسانية والفرادة.
وقدّمت الشيخة ضوى آل خليفة سلسلة “طاولة العشاء – المدخل – بعد أن رحل – الضيف”، مستكشفة الفضاء المنزلي كمسرح صامت للعلاقات الإنسانية بين الحضور والغياب، مؤكدة أن اللوحات تتيح مساحة مفتوحة للتأمل وطرح الأسئلة حول طبيعة العلاقات، وأن الباستيل الزيتي بألوان زاهية يخلق توهجًا بصريًا متوازنًا بين الحركة والصمت.
وأوضح الفنان مهدي البنّاي أن ما يميّزه عن غيره رؤيته الخاصة التي تأتي من خلال مشاهدة تثير حواسه وغرائزه، فيضم الفكرة ويصوغها في عمل غير متوقع بعد معاناة فكرية وعملية شاقة، مستعرضًا عمله حول الفلفل الذي بدأ كنقاش داخلي حول أهميته؛ فهو رغم كونه عنصرًا بسيطًا، إلا أنه لا يُستغنى عنه على المائدة، حيث شكله المغري وألوانه الجذابة تجعله “سيد المائدة”، مضيفًا أن تجربته هي دمج بين التأمل الفكري والاستعارة البصرية.
وأوضح الفنان حسن الساري أن مجموعته الفنية تتناول السوق باعتباره عاملًا مشتركًا بين الشعوب، مشيرًا إلى أن الأسواق ليست مجرد بيع وشراء، بل ذاكرة تحتضن محطات لا تنتهي، بما في ذلك المقهى القديم حيث تتلاقى التجارب الإنسانية، مؤكدًا أن الزحام والأصوات داخل السوق تمثل ذاكرة مستمرة تنتقل عبر الأجيال، وأن جمال السوق يكمن في زحمتها وعطائها وحنينها.
وأعربت الشيخة مروة آل خليفة، رئيسة جمعية البحرين للفنون التشكيلية، عن اعتزازها بحضور المعرض، مؤكدة أن استمرارية هذا الحدث الفني تعكس حيوية المشهد التشكيلي البحريني وتطوره المستمر، وأن المعرض يمثل منصة مهمة للفنانين لعرض تجاربهم وتعزيز الحوار البصري بين الأجيال المختلفة، مشيدة بالتنوع في الأساليب والرؤى، ومؤكدة أن مثل هذه الفعاليات ترسّخ مكانة البحرين كمركز ثقافي فاعل في المنطقة وتدعم التجارب الفنية التي تلامس القضايا الإنسانية والهوية الوطنية برؤى مبتكرة ومعاصرة. كما أعربت عن سعادتها بدعم دور العرض للفنانين، باعتبارها مبادرة قيّمة، وبمشاركة الجهات غير الحكومية للإسهام في إقامة معارض أكثر للفنانين.
وهكذا تجلّت النسخة الثانية والخمسون من معرض البحرين السنوي للفنون التشكيلية كبانوراما فنية متكاملة تعكس ثراء التجربة البحرينية، وتواصل الحوار بين التراث والحداثة، بين الذات والمكان، وبين الذاكرة والتحوّل، مؤكدة أن الفن البحريني أصبح مساحة للتأمل والفكر، ومنبرًا يعكس تحولات الإنسان والمكان بلغة بصرية متجددة ومتنوعة.