"حارس الهوية" يفتح ذاكرة السبعينات

عبد الشهيد خمدن.. حكاية الحرف البحريني من "سبورة" المنامة إلى منصات العالمية

| البلاد: شيرين فريد

في زمنٍ كان فيه الشغف هو المعلم الوحيد، وفي أزقة المنامة التي لم تعرف حينها معاهد الفن أو كليات الخط، وُلدت تجربة الفنان عبد الشهيد خمدن (1952). لم تكن رحلته مجرد ممارسة لفن الحرف، بل كانت معركة لإثبات الذات وصياغة هوية بصرية في مشهدٍ كان لا يزال يتلمس خطاه. اليوم، نقرأ في تجربة خمدن حكاية الحرف البحريني الذي انتقل بصبره ومثابرته من حيز الهواية الفردية إلى ذاكرة الفن التشكيلي الخليجي والعالمي.

 

*بدأت تجربتك في سبعينيات البحرين، في وقت لم تكن فيه مؤسسات متخصصة.. كيف تشكّلت علاقتك الأولى بالحرف في ظل هذا الفراغ؟

البداية كانت شغفًا خالصًا. في السبعينيات لم تكن هناك معاهد متخصصة أو حصص تُعنى بالخط العربي كعلم قائم بذاته. كنا ندرس اللغة العربية، لكن دون وعي عميق بجماليات الحرف وأصوله.

كنتُ ابن سوق المنامة. اللوحات فوق الدكاكين، عناوين المحلات، الخطوط المكتوبة يدويًا، كانت مدرستي الأولى. كنت أراقب الحرف قبل أن أكتبه. ثم جاءت نقطة التحول عندما جلب لي صديق كراسة الخطاط العراقي هاشم محمد البغدادي، فكانت بمثابة المعلم الصامت الذي عرّفني بقواعد الخط ونسبه وأصوله. أدركت أن الخط ليس مجرد كتابة جميلة، بل نظام هندسي وروحي في آنٍ واحد.

 

*تأثرت بالفنان التشكيلي والخطاط إبراهيم بو سعد. ماذا أضاف لك هذا التأثر على المستوى الفني والإنساني؟

بو سعد لم يكن مجرد فنان مؤثر، بل حالة تربوية. علّمني أن الحرف كائن حي، وأن الصدق أهم من الاستعراض البصري. لقد تعلمت منه أن الفنان لا يبحث عن الإبهار فقط، بل عن الأثر. وأن الخط إذا لم يخرج من إحساس حقيقي، يبقى مجرد شكل جميل بلا روح.

 

*الخط العربي قائم على قواعد صارمة، بينما الفن التشكيلي مساحة للحرية. كيف توفّق بين الانضباط والتحرر في تجربتك؟

الخط علّمني الانضباط، والتشكيل علّمني الجرأة. في الخط هناك ميزان دقيق؛ نسب، نقاط، امتدادات. أي خلل بسيط يربك البناء كله. أما في الفن التشكيلي فهناك مساحة أوسع للتجريب. لكنني لا أراهما متناقضين. حين تتقن القاعدة، تستطيع أن تتحرر منها بوعي. الانضباط هو الطريق الحقيقي للحرية.

 

*واجهت صعوبات في بداياتك، كيف أثرت في تشكيل شخصيتك الفنية؟

كنت أكتب على سبورة في ممر البيت، والطباشير كانت تثير الغبار وتزعج الأهل. قيل لي: لماذا لا تتعلم شيئًا مفيدًا؟ ماذا ستستفيد من الخط؟ هذه العبارة صنعت إصراري . كنت أصعد إلي سطح المنزل لأكتب بعيدًا عن الإزعاج وهناك تعلّمت أن العزلة قد تكون أول ورشة للفنان. عندما يُنظر إلى الفن كترف، تشعر بمسؤولية مضاعفة لإثبات أنه ضرورة.

 

*شاركت في بيناليات وتريناليات دولية، من النرويج إلى بنغلاديش، ومن الشارقة إلى القاهرة وأصيلة. ماذا يعني لك أن يسافر الحرف العربي خارج حدوده الجغرافية؟

حين يسافر الحرف، يسافر بوصفه حضارة لا مجرد شكل. قد لا يفهم الجمهور اللغة، لكنه يتفاعل مع الإيقاع البصري للحرف. وهذا يؤكد أن الجمال لغة عالمية. كل مشاركة خارجية كانت اختبارًا: هل يستطيع حرفنا أن يقف بثقة أمام العالم؟ وكانت الإجابة نعم.

 

*كان لكم دور إداري وثقافي في جمعية البحرين للفنون التشكيلية، وأقمت دورات في وزارة التربية وصالة "أبعاد" ولازلت. كيف ترى مسؤولية الفنان تجاه مجتمعه؟

الفنان ليس جزيرة، حين تعلمت بصعوبة، شعرت أن عليّ أن أفتح الطريق لغيري بسهولة أكبر. لذلك أقمت الدورات، ودعمت المعارض الجماعية، واحتضنت الفنانين الشباب ورسالتي لم تكن يومًا أن أكون خطاطًا فقط، بل أن أكون جزءًا من حركة فنية مستمرة.

 

*هل مررت بلحظة شك وجودي تجاه الفن؟ لحظة تساءلت فيها: لماذا أكتب؟ ولماذا أواصل؟

نعم. أحيانًا تقف أمام الورقة ولا يطاوعك الحرف. تشعر بأنك تفقد جزءًا منك، لكن الشك ينقّي النية. يعيدك إلى السؤال الأول: لماذا بدأت؟ أنا بدأت لأن الحرف كان ملاذًا داخليًا. كلما تعبت، عدت إلى تلك السبورة القديمة في الذاكرة. الفن بالنسبة لي ضرورة وجودية، لا خيارًا مهنيًا.

 

*الحرف العربي يحمل قداسة النص، لكنه أيضًا عنصر بصري معاصر. كيف تعيش هذه الجدلية بين القداسة والتجريب؟ 

الحرف يحمل رهبة ومسؤولية، لكن هذا لا يعني تجميده. والتجديد لا يعني كسر القداسة، بل اكتشاف أبعاد جديدة للجمال. القداسة في النية قبل الشكل. إذا كان العمل صادقًا، يحفظ روح الحرف حتى في أكثر أشكاله معاصرة.

 

*في زمن العولمة البصرية، حيث تتشابه الأساليب وتذوب الخصوصيات، هل تخشى على الحرف العربي من أن يتحول إلى عنصر زخرفي منزوع الهوية؟

الخطر موجود، لكن الفرصة أكبر إذا اقتُطع الحرف من جذوره، يصبح زخرفة بلا ذاكرة. لكن إذا دخل المشهد العالمي مدركًا تاريخه وروحه، فلن يذوب بل سيضيف، والحرف العربي ليس تراثًا نعلّقه على الجدار، بل كائن حي

وكل كائن حي إما أن يتطور أو ينقرض، ومهمتنا أن نمنحه أسباب التطور دون أن نفقده ملامحه.

 

*بعد هذه الرحلة الطويلة، ما الذي ما زلت تبحث عنه؟

ما زلت أتعلم كلما تعمقت في الخط، اكتشفت أنني على الشاطئ. أبحث عن لحظة صفاء ينساب فيها الحرف دون مقاومة، عن عمل أشعر بعده أنني اقتربت خطوة من الكمال، مع علمي أن الكمال لا يُدرك.

عبد الشهيد خمدن ليس مجرد خطاط أو فنان تشكيلي، بل شاهد على مرحلة تأسيسية في المشهد الفني البحريني. حمل الحرف في زمن الندرة، ووسّع حضوره في زمن الانفتاح، وظلّ وفيًا لفكرة واحدة وهي أن الفن يبدأ شغفً، ويستمر رسالة.