المناعي في “ديوان التجار”: الضرائب واجب وطني
| أجرى اللقاء: محمد درويش | إعداد: عمر الكعابنة تصوير : أيمن يعقوب
قانون الاستثمار الذي اقترحته ضاع في أدراج النواب ميزانية السنتين وتوحيد فاتورة الكهرباء من الأعمال التي أفتخر بها البحرين تحتاج لمشروعات صناعية استثمارية ولدينا ما يحقق ذلك 90 % من أصحاب المؤسسات الصغيرة لا يعرفون موقع الغرفة واقترحت التقرب منهم أعظم إنجاز تحقق للبحرين هو حكمة الملك المعظم في إنشاء مجلسي الشورى والنواب في الحلقة الأولى من برنامج “ديوان التجار”، الذي يبث عبر منصات صحيفة “البلاد” الرقمية، استضاف الإعلامي محمد درويش، رجل الأعمال البحريني درويش أحمد المناعي. وتناول الحوار أبرز محطات حياته، من بداياته في القطاع الحكومي، مرورًا بتأسيس شركاته ومشروعاته الصناعية، ومشاركته التشريعية، ودوره في تطوير الاستثمار والاقتصاد المحلي، وصولاً إلى رؤيته لرواد الأعمال الشباب والتنمية الاجتماعية، مع نصائحه وخبراته الشخصية، إلى نص الحوار:
التحقت بوظيفة مراقب حسابات في وزارة التنمية والخدمات الهندسية في عهد الوزير الراحل يوسف الشيراوي، ثم انتقلت لتكون أول محاسب بحريني، بل أول رئيس محاسبين بحريني في الدولة. حدثنا عن تلك الحقبة، عن فترة الوظيفة، قبل الانتقال إلى الاستثمار وتأسيس الشركات؟ في أواخر العام 1971، عدت إلى البحرين. كانت البحرين في مستهل انضمامها إلى هيئة الأمم المتحدة، وأدركت أن الدولة في طور التأسيس، وأنها في أمس الحاجة إلى الشباب البحريني المتعلم للمشاركة في إدارة شؤونها. رأيت أن من واجبي الوطني أن أؤخر دخولي إلى عالم التجارة، على الرغم مما كانت تثيره في نفسي من شغف، لاسيما أن لعائلتي تاريخا تجاريا عريقا. وعائلتنا في تجارة اللؤلؤ منذ العام 1824، فالتجارة متأصلة في دمائنا. وكان الوالد (رحمه الله) تاجرا يعمل في مجال العقار أيضا، لكني آثرت تأجيل هذا المسار، والتحقت بالخدمة الحكومية، كانت أولى وظائفي بصفة مراقب للميزانية في وزارة التنمية والخدمات الهندسية، وكان الوزير حينئذ هو الراحل يوسف الشيراوي. وكانت هذه الوزارة آنذاك أكبر وزارات الدولة، بل كانت دار الحكومة تضم جميع الوزارات تقريبا. وما إن تسلمت مسؤولية إدارة الميزانية، حتى تبين لي أن نظام الميزانية سنوي، يُعد سنويا، ولاحظت أن معظم الاعتمادات المدرجة في الميزانية تُخصص لمشروعات البنية التحتية، منها مشروعات في مدينة سلمان، والمدرج الثاني لمطار البحرين الدولي، وعليه، اقترحت على المسؤولين: لماذا لا تُعد الميزانية لعامين بدلا من عام واحد؟ فطلبوا مني إعداد مذكرة تفصيلية. وكانت القيادة في ذلك الوقت تشجع المتعلمين وأصحاب المبادرات الجديدة، فصدرت الموافقة فورا. وكان يعمل في إدارتي سبعة موظفين، بين بحرينيين وخبراء أجانب من بريطانيا. ولم أكن أستطيع تعطيل الأعمال اليومية لإرسالهم للتدريب. كانوا يعتمدون على نظام القيد الفردي، في دفاتر كبيرة تعج بالتحليلات اليدوية. في تلك الفترة، كانت كليات الخليج الفنية في بداية نشأتها، فتواصلت معهم وعرضت عليهم فكرة تدريب موظفي، قلت لهم: لدي سبعة موظفين يرغبون في دراسة مبادئ المحاسبة المالية ومسك الدفاتر. فوافقوا، وقالوا لي: ستحضر أنت وموظفوك، ونحن نخصص لكم سبعة مقاعد. وكان البرنامج مرتين في الأسبوع، بواقع ساعتين لكل مرة، أي أربع ساعات أسبوعيا. وكانت تلك النواة الأولى لدبلوم الإدارة الوطنية البريطانية في البحرين. إذن أسهمت في تأهيل العديد من البحرينيين مهنيا في تلك الفترة. لكن حدثنا عن التحديات الأخرى. أنت أيضا قدمت فكرة مبتكرة في نظام المحاسبة الحكومية، تتعلق بطريقة إعداد الحسابات الختامية للدولة. حدثنا عن هذا الجانب؟ يشرفني أن حكومة البحرين ما تزال تعمل بنظام الميزانية الثنائية حتى يومنا هذا. لقد انفردنا بهذا النظام، وما تزال الميزانية تُعد على ذات المنهجية التي اقترحناها. بعد ذلك، طُلب مني أن أتولى إدارة دائرة الكهرباء، في ذلك الوقت، كان منصب رئيس المحاسبين في أيد أجنبية. بل كانت معظم المناصب العليا في الدولة يشغلها أجانب، غالبيتهم من البريطانيين، إلى جانب مهندسين من قبرص والهند، لكن الإدارة العليا كانت بريطانية بالكامل. انتقلت إلى هناك في العام 1972، فوجدت أعمالا بدائية في النظام المالي، فقلت لهم: لماذا تصدر دائرة الكهرباء فواتير مستقلة؟ ولماذا تصدر إدارة إسالة المياه فواتيرها منفصلة؟ كانوا يسمونها “فواتير البلدية”، وكلها تتبع وزارة الخدمات الهندسية، فاقترحت على المسؤولين: لماذا لا نوحد الفاتورة؟ نحن نتحصل على فواتير الكهرباء من البلدية، ويمكننا أن نحتسب تكلفة التحصيل، ونمنح البلدية حصتها من الرسوم. صدرت الموافقة في اليوم نفسه. ولأتمكن من إصدار هذه الفاتورة وإيصالها إلى يد المستهلك في غضون أسبوع مثلا، كان لابد من طباعتها إلكترونيا، ولم تكن لدينا الإمكانات التقنية اللازمة. فاتصلت بشركة في لندن، إذ سبق لي أن درست في بريطانيا، واتفقت معهم على طباعة الفواتير وإرسالها جوا إلى البحرين. كان عدد المشتركين آنذاك أربعة وثلاثين ألف مشترك فقط. واخترت أن نجعل الفاتورة من ثلاث خانات، وتركنا خانة رابعة شاغرة. قلت للمسؤولين: ستولي البحرين في المستقبل اهتماما بمشروعات المجاري والصرف الصحي. فخصصنا خانة احتياطية. تلاشى النظام القديم كليا، وهذه الفاتورة ما تزال مستخدمة حتى اليوم. ولابد أن ننوه هنا إلى أنك حاصل على شهادات عليا من بريطانيا ومصر في تخصصات متعددة، من بينها الإدارة المالية والمحاسبة، وأقف الآن عند العام 1976، عام تأسيس أول شركة لك وكانت شركة استثمارية. كيف نشأت الفكرة؟ وكيف أقدمت على تأسيس شركة للاستثمار؟ بعد تجربتي في العمل الحكومي، رغبت في الاستقلال بنفسي. في صيف العام 1976، كان الاقتصاد يشهد فترة انتعاش، فتقدمت بطلب ترخيص لتأسيس شركة المناعي للتجارة والاستثمار. كانت الإجراءات في غاية البساطة، والمسؤولون على استعداد دائم للاستقبال. وقد تغير الحال اليوم، فأصبحت المعاملات كلها إلكترونية. كان عدد السكان آنذاك أقل من نصف ما هو عليه اليوم. وبالمقارنة مع الوضع الحالي، كان رقم السجل التجاري خمسة آلاف، وقد أعلنت الحكومة في العام 2023 أن عدد السجلات التجارية بلغ 88 ألفا و120 سجلا، وذلك يعني اتسعت البحرين وازدهرت، لكن النشاط التجاري اتسع أكثر بكثير. بدأنا بمشروعات تخدم احتياجات البلاد. وهذه نصيحة أكررها دائما، حتى لأبنائي ولغيرهم: لا تنقلوا أفكار الآخرين حرفيا. قدر الأمر بنفسك، وضع خطة مالية وفنية، وليكن في خططك مرونة كافية تمكنك من تقييمها وتعديلها وفق المستجدات. بتوفيق من الله، بدأنا بمصنع للألمنيوم؛ لأن شركة البا كانت قد افتتحت حديثا، وشركة بلكسكو كانت تعمل في سحب الألمنيوم بعد تطورها، وكنا من المساهمين فيها. فقلت: الأفضل أن أسلك المسار نفسه، لكن بجودة أعلى. بدأنا بأول مشروع تنفيذي في البحرين من نوع الستائر الحائطية من الألمنيوم والزجاج، التي تعرف بـ (Curtain Wall). نفذناه في مبنى إنفكوب القديم، ثم تتابعت الأعمال بعد ذلك. كان لكم أيضا نشاط في مجال معدات البولينغ، وفي الأنظمة الزراعية الحديثة. حدثنا عن هذين المجالين. كيف خطرت لكم فكرة توريد معدات البولينغ أو النظام الزراعي الحديث في بداية السبعينات والثمانينات؟ هل كان ذلك بفضل السفر والاطلاع على تجارب الآخرين، أم كنتم تستعينون بخبراء؟ للسفر أهمية كبرى. لقد سافرت ولله الحمد إلى معظم دول العالم، كان في البحرين نادي بابكو، وفيه صالة بولينغ، وكنت متعلما في بريطانيا، وكنت مشتركا في النادي البريطاني هناك وأزوره باستمرار، فقلت: لماذا لا يكون لدينا مثل هذه الصالات؟ ثم أنشئ نادي الضباط في جزيرة النبي صالح، ثم نادي المحرق الرياضي، وتعرف الناس على رياضة البولينغ. أما النظام الزراعي، فهو عبارة عن وحدات تعمل على معالجة المياه وتدويرها لري البرسيم والمحاصيل. نحن في البحرين، الأرض نادرة والمياه شحيحة، عرضت الفكرة على دائرة الزراعة، فقالوا: ليست لدينا الأجهزة اللازمة للتجربة، فتحملت المسؤولية كاملة لمدة ستة أشهر، وجئت بخمس وحدات زراعية ووضعتها تحت تصرفهم، وندبت أحد موظفينا للإشراف، فتعلم البحرينيون النظام وسارت الأمور على ما يرام. أتعزو نجاحك في التعرف على احتياجات السوق إلى خبرتك السابقة في القطاع الحكومي؟ بلا شك. فقد أفادتني خبرتي الحكومية كثيرا، لاسيما أنني كنت على معرفة بالمسؤولين. لقد انقطعت عن البحرين نحو سبع سنوات للدراسة. درست التجارة، ولم يكن نظام التوجيهي موجودا في البحرين حينها، فسافرت إلى مصر. وبعد نكسة 1967، انتقلت إلى بريطانيا، طلب مني هناك أن أحصل على شهادة الثانوية العامة البريطانية A-Levels، ففعلت، ثم التحقت بالجامعة، ثم أكملت دراساتي العليا بعد التخرج، درست في مصر المحاسبة المالية، وفي بريطانيا درست الإدارة المتقدمة، وتخصصت في تخطيط الأعمال، وأتذكر عندما تقدمت بأوراقي للثانوية العامة في بريطانيا، قدمتها في تشلتنهام بمنطقة ميدلاند. وكان المسؤول محافظا متقاعدا، فقال لي: لماذا لا تتقدم في لندن؟ فقلت له: هذه فرصتي، دعني أطلع على مقاطعة أخرى، فذهبت ورأيت، وكان الأمر ممتازا، ثم انتقلت بعدها إلى شمال بريطانيا في سالفورد، حيث الجامعات المتخصصة في هذه المجالات. نعود إلى البحرين، وإلى تأسيس الشركات، بدأت بمشروع كبير هو شركة استثمارية، وغالبية المشروعات التي دخلت فيها كانت صناعية، كيف نوفق بين التاريخ التجاري لعائلتكم الكريمة، واشتغال الوالد (رحمه الله) في التجارة العقارية، وبين توجهكم الصناعي؟ لماذا لم تكتفوا بالتجارة التقليدية القائمة على البيع والشراء، واتخذتم منحى صناعيا؟ ما الذي ألهمكم ودفعكم إلى ولوج هذا المجال؟ هذا واجب يقع على عاتق كل شاب يروم دخول عالم التجارة والأعمال: أن يرصد حاجة بلاده، ومن ثم ينطلق منها. هذا ما فعلناه. دخلنا في صناعة الألمنيوم، ثم تطورنا مع تطور احتياجات الناس، فدخلنا في صناعة حديد الروت آيرن، وهو الحديد المطاوع. ثم تطورت الاحتياجات، فدخلنا في صناعة الحديد المقاوم للصدأ، وهو الستانلس ستيل. ثم ماذا بعد ذلك؟ وفي العام 2012، حين أنشئت مدينة سلمان الصناعية في الحد، وهي مدينة استثمارية عالمية، أسست مصنعا للزجاج على مساحة تقارب اثنين وعشرين ألف متر مربع. جمعنا جميع الأنشطة تحت سقف واحد: الزجاج المزدوج، الزجاج السيكوريت، الألمنيوم، الزجاج المنحني الذي ترونه أحيانا في البانورامات، والطباعة على الزجاج (Silk Printing)، كل ما تحتاج إليه تجده في مكان واحد. ولنا بعض الأنشطة التجارية الأخرى. لدينا قسم العزل الحراري، وقد شغلناه في المطار القديم، في ذلك الوقت، لم يكن العازل يأتي بشكل لفائف، بل كان قارا في براميل، ولدينا أكياس كبيرة، نسخنها ثم نرسلها. وكان الضمان عشرين سنة. وكان العمال من البريطانيين يعملون لدينا.
كيف ترى تطور الصناعة في البحرين؟ هل نحن بحاجة إلى مزيد من المشروعات الصناعية؟ فالخبراء الاقتصاديون جميعهم يؤكدون حاجتنا إلى المزيد منها، بغية جذب الاستثمارات الخارجية؟
سأحدثك بصراحة وسأتحدث عن الدين العام، إذا أنفق الدين العام على مشروعات تنموية أو استهلاكية، فهذه لا تعود عليك بفائدة، أما إذا أنفقته على مصانع إنتاجية، فسأشغل المواطن البحريني، وسأستفيد من منتجاته، وعندما أصدر إلى الخارج، فإنني أحسن ميزان المدفوعات والميزان التجاري. ليس هناك سلسلة أنفع من هذه، أتمنى أن تتجه الحكومة إلى هذا المسار.
لكن لدينا شركات كبرى كممتلكات، تملك مصانع تنتج، المشكلة أن هذه المصانع لمن تبيع؟، ومن يستطيع منافسة الصناعة الصينية اليوم؟ هذا هو التحدي الأكبر، أمامنا هذا الغول الصيني الذي يغزو جميع أنواع الصناعات فهل يستطيع مصنع صغير في البحرين أن ينافس؟
نحن نرتفع بالجودة. نصدر إلى الخليج كله، وإلى الشرق الأوسط، وإلى إفريقيا، نصدر زجاجا معالجا جاهزا في صناديق، لا تنتظر أن تنافس في كل شيء، عليك أن تتيقن أنك في حيز محدود، ولابد لك أن تخرج منه. البحرين سوقها صغير، فهي جزيرة، وما أعاننا أكثر من غيره هو جسر الملك فهد مع السعودية. لابد من التصدير، ولا تتوقع أن تبقى في نطاق محلي ضيق، والاستثمار في الصناعة والمشروعات الصناعية ضرورة حتمية، ضرورة البحرين تحتاج إلى صناعات كثيرة، لماذا نستورد ولا نصنع؟ في جوارنا، في مصر، لديهم صناعة تجميع الثلاجات فلماذا لا نصنع مثلها.
يقول البعض إن المشروعات الصناعية تحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة، هل توافقه الرأي؟
بلى، وشركة ممتلكات تملك رؤوس الأموال، فلا تستثمر جميع الاعتمادات في الأسهم فقط، فلتخصص جزءا من رأس المال، وتصنع به مشروعات صناعية مهمة، انظر إلى الرؤية الاقتصادية 2030، التي قامت على ثلاث ركائز: الاستدامة، والتنافسية، والعدالة. فأين الاستدامة؟ التجارة نشاط ممتاز، لكني إذا استوردت سيارة وبعتها، انتهت المعاملة، ولا استمرارية فيها. أما الصناعة ففيها استمرارية.
في مصانعك، هل توظف البحرينيين؟ هل تؤمن بالكفاءة البحرينية؟
نعم، لدينا نسبة جيدة من البحرينيين، والحمد لله. نحن نعامل جميع الجنسيات على قدم المساواة، كما تفعل حكومتنا في نهجها القائم على التعايش، لا أفرق بين أحد، وأتذكر حين غزا صدام الكويت، وتشكل التحالف بقيادة الولايات المتحدة لتحريرها. كان الموظفون خائفين مذعورين. آويتهم جميعا في المصنع، ووفرت لهم المسكن والمؤن، ورتبت لهم وجبات الطعام. كانوا يهابون الخروج. فقلت لهم: أنا معكم، فلا تخافوا، وحفظت عليهم كرامتهم.
إذن أنت تؤمن بالكفاءة البحرينية وبقدرتها على العطاء؟
نعم، هم موجودون في الإدارة وفي المصانع، لكن المشكلة التي نواجهها، ولا ألوم البحريني عليها، هي أننا نعاني نوعا من العقدة النفسية، وهي الاعتقاد بأن على كل شاب أن يحصل على شهادة جامعية، نحن نفتقر إلى الطبقة الوسطى من العمال المهرة: السباك، وفني التكييف، والنجار. والنجارة ليست مهنة متدنية، بل فيها فن وإبداع، كان ينبغي إنشاء معاهد فنية تطبيقية في جميع المحافظات، ولحل ذلك على سبيل المثال في بريطانيا، توجد مؤسسات تسمى (City and Guilds) منتشرة في جميع المدن، تؤهل الشباب وتدربهم مهنيا، ولدينا الآن كلية البحرين التقنية (Polytechnic)، ومركز ناصر للتأهيل والتدريب المهني، هذه مؤسسات ممتازة، بارك الله في القائمين عليها، لكن لماذا لا نركز عليها وننشر فروعا لها في جميع المناطق؟ لو كان شاب يسكن في الحد، ويضطر إلى السفر يوميا ساعة ونصف ذهابا وساعة ونصف إيابا، فإن همته تفتُر قبل أن يبدأ، فلا يحقق شيئا.
ينتقل بنا الحديث إلى تجربتك التشريعية. استمرت عضويتك في مجلس الشورى دورتين متتاليتين، من 2014 إلى 2022. ناقشتم مشروعات عديدة، وطرحتم أفكارا مهمة. حدثنا عن مشروع هيئة الاستثمار وقانون الاستثمار الذي تقدمت به خلال عضويتك في المجلس؟
في نوفمبر 2014، شرفني الأمر الملكي السامي بتعييني عضوا في مجلس الشورى. أعد هذا التشريف تكليفا وأمانة عظيمة. اخترت الانضمام إلى لجنة الشؤون المالية والاقتصادية؛ لأن هذا مجال اختصاصي وخبرتي، كما انخرطت في لجنة حقوق الإنسان، لأنني نشأت على حب خدمة الإنسان، وفي اللجنة المالية، كان زملائي جميعا من ذوي الكفاءات. لاحظت توزع مسؤولية الاستثمار بين جهات متعددة، لدينا وزارة التجارة والصناعة، ولدينا مجلس التنمية الاقتصادية، وإذا أردنا جذب الاستثمار الأجنبي، على أساس أن تكون هناك شراكة مع المستثمر الوطني، فلا بد من جهاز متخصص يعنى بهذا الملف.
كيف كان توزيع المسؤوليات بين الجهات المعنية بالاستثمار آنذاك؟
كانت وزارة الصناعة تختص بقسم، ومجلس التنمية الاقتصادية يختص بقسم آخر، في البداية، اقترحت: لماذا لا ننشئ هيئة عامة للاستثمار، على غرار ما هو قائم في السعودية والكويت؟ وسرت في هذا الاتجاه. وأثناء المناقشات، هبطت أسعار النفط، وصدرت توجيهات بترشيد الوزارات والهيئات، فخشيت أن يذهب جهدي سدى، فحذفت المواد المتعلقة بتأسيس هيئة جديدة، والمواد الخاصة بتشكيل مجلس إدارتها، وقدمت مشروع القانون مجردا من هذه المواد، ونجحت المساعي، وتم تمرير المشروع والموافقة عليه، ثم أحيل إلى الحكومة، فتولت الحكومة المشروع، وفي الفترة المسموحة لها، قدمته باسمها، إذ تحول إلى مشروع حكومي. ثم أحيل إلى المجلس الآخر، مجلس النواب، في يناير 2014، وظل المشروع قيد المناقشة في مجلس النواب حتى نهاية الدورة البرلمانية في العام 2022. وعند انتهاء الدور، سحبت الحكومة جميع المشروعات المعلقة، وكان من بينها المشروع الذي تقدمت به.
فلم يقر للأسف، وأضاع مجلس النواب فرصة تاريخية لإقرار قانون تشجيع وحماية الاستثمار، والدليل على أهمية هذا القانون، أن وزير المالية والاقتصاد الوطني أعلن في 12 يناير 2026 أن الحكومة تولي اهتماما كبيرا بالتجارة العالمية وجذب المستثمر الأجنبي، وهذه بداية متأخرة.
أليس مجلس التنمية الاقتصادية، منذ نشأته، هو المعني بجذب الاستثمارات الخارجية وخلق فرص العمل في البحرين؟
أعلم أن مجلس التنمية الاقتصادية له مسؤوليتان رئيستان: الأولى هي التخطيط، والثانية هي التسويق والترويج للبحرين في الخارج. هذا صحيح من حيث المبدأ، لكن تنفيذ الطلبات ومنح التراخيص، هذا من اختصاص وزارة الصناعة والتجارة، حين يأتي مستثمر بمشروع تبلغ قيمته ملايين، ويأتي مستثمر آخر يريد فتح محل تجاري صغير، يجدان الإجراءات نفسها، ويأخذان الأوراق نفسها، ثم يسحبها المستثمر الكبير ليذهب بها إلى بلد مجاور لذا ينبغي أن يفرق المسؤولون بين هذه الحالات.
وزارة الصناعة أنشأت مؤخرا قسما خاصا للمستثمرين السعوديين ماذا تقول عنه؟
نعم، لدينا حوافز كثيرة ومتنوعة، لكن المشكلة أن هذه الحوافز موزعة على قوانين متفرقة، ولم تجمع في قانون واحد موحد، المستثمر الأجنبي يريد أن يفتح الإنترنت ويسحب التسهيلات بيسر، لا يريد أن يتنقل بين الوزارات والإدارات، يجب أن تكون الإجراءات موحدة في مكان واحد، “نافذة واحدة”، الشركات الكبرى، أو المكاتب الاستشارية التي تدرس الفرص الاستثمارية للمستثمرين، تختار من بين ثلاث دول، وهذه المكاتب لها ساعات عمل محدودة، ولا تستطيع التنقل بين القوانين ستسأل: أين قانون الاستثمار الموحد؟ فإن لم يكن لديك قانون استثمار، فلن تستطيع جذبهم.
كما حدث في قانون التأجير وقانون البناء؟
بالضبط في السابق، كنت إذا أردت ترخيص بناء، تدفع رسوما لوزارات متعددة. أما اليوم فتذهب إلى المركز الشامل، وتنجز معاملتك كلها في مكان واحد. لا تحتاج إلى الدوران بين الإدارات، هذا ما ينبغي أن يحدث في مجال الاستثمار.
في فترة سابقة، أثيرت بعض الملاحظات بشأن أداء غرفة تجارة وصناعة البحرين. ما أبرز المآخذ أو الملاحظات التي كانت لديكم في تلك المرحلة؟
نحن نعتز بغرفة تجارة البحرين، فهي من أعرق الغرف التجارية في الخليج، وسمعتها طيبة، وانتخاباتها نزيهة. في الفترة الأخيرة، برزت بعض التحديات المتعلقة بالأصوات الانتخابية، وقد تُرك هذا الأمر للسلطتين التشريعية والتنفيذية لتقديم مقترح عادل للجميع. بصراحة، اقترحت على الإخوة في مجلس الإدارة الحالي، لدينا أكثر من تسعين في المائة من السجلات التجارية مسجلة باسم مؤسسات صغيرة ومتوسطة، أنتم بحاجة إلى كسب ودهم والتقرب إليهم. فهناك تاجر لديه سجل تجاري في قريته، لو سألته: أين تقع الغرفة التجارية؟ لما عرف! لا تربطه بالغرفة أي صلة. أنتم ادعوه، وانظروا كيف سيأتي شاب متحمس.
هل نجح مجلس الإدارة الحالي في مسعاه؟
أظنهم سعوا كثيرا، من خلال اللجان، واللقاءات المفتوحة، أراهم يبذلون جهدا للوصول إلى أصغر تاجر. لقد دعمت الغرفة القطاع الخاص عبر لجانها، ولم تقصر. لكني، كوني عضو مجلس إدارة سابقا، أرى أنهم لم يقتربوا بالقدر الكافي، ينبغي أن يكون التقارب مع هذه المؤسسات، مؤسسات تنمية الصناعات، والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، أكبر وأعمق، وهذا ضروري، لأنهم يشكلون غالبية الناخبين، وأتمنى في الدورة المقبلة في شهر مارس، أن ينتخب الناخب المرشح المؤهل، وأن يبتعد عن المحسوبية. أعتقد أن الغرفة التجارية لها سمعة حسنة، وأرجو أن تستمر على هذا النهج في أدائها.
كنت أيضا عضوا في جمعية الشركات العائلية أين هذه الجمعية اليوم؟ وأين ذهبت؟
كنت عضوا فيها من 2016 إلى 2018، وفي العام 2017، أسندت إلي رئاسة لجنة الاستشارات الخدماتية، تحت رئاسة المرحوم خالد كانو، وأنا أراه شخصية فذة، وأسميه أبانا وأبا التجار، كان معنا أيضا وليد كانو، وهو شاب نشيط وذو أفكار متجددة، وأنا دائما أشجع هذا بأي المؤسسة، وكانت غاية الجمعية أن تعمل على استمرارية الشركات العائلية من جيل إلى جيل، وهذا هدف نبيل بلا شك، كان المرحوم خالد كانو يتحمل مسؤولية عقد ندوة شهرية، يطرح فيها نقاشات معمقة حول قضايا الساعة وعلاقتها بالشركات العائلية، وكان للجمعية مجلة تصدر بانتظام، وكانت نشاطها ملحوظا.
لماذا تركت الجمعية؟
انسحبت بعد العام 2018، تزايدت أعبائي في مجلس الشورى، ثم جاءت جائحة كورونا، وأنا دائما أقول: إذا لم أستطع أن أكون منتجا، فعلي أن أفسح المجال لغيري. فاعتذرت.
ما نصيحتك لرواد الأعمال البحرينيين الذين لا يملكون رؤوس أموال كبيرة؟ ليس كل من يملك رأس مال، ولكن الكثيرين يرغبون في ممارسة العمل التجاري، أو على الأقل تأمين دخل إضافي لأنفسهم؟
نحن في عالم التجارة، الشاب حين يقرر دخول ميدان الأعمال، عليه أولا ألا يكتفي بالأماني، يجب أن يعد خطة مالية وفنية محكمة. يختار الموقع المناسب، ويختار النشاط الذي يراه مهما وملائما لقدراته. لا يقلد نشاط زميله، فذلك الزميل ربما نجح بأسلوب خاص به. المهم أن يضع خطته الخاصة، وأن تشتمل على الجوانب المالية والفنية، وأن تتسم بالمرونة الكافية.
ماذا عن مسألة التمويل؟
لدينا صندوق العمل “تمكين”، وهو يقدم دعما حقيقيا، وقد لاحظت أنهم استحدثوا برامج ابتكارية جديدة، ومسارات متنوعة للنمو، ولا تلجأ إلى القروض في البداية، وليكن تمويلك ذاتيا، فإذا أثبت نجاحك وبدأت في التوسع، عندئذ توجه إلى المؤسسات المالية، حين تذهب إليها وقد حققت نجاحا، ويرون في مشروعك مقومات الاستمرار، تصبح قادرا على التفاوض في شروط التمويل والفوائد. أما الذهاب إليهم في البداية، فلن تحصل على تفاوض مجد.
هل ترى حلولا ممكنة لمعضلة الدين العام في البحرين، من وجهة نظرك كرجل أعمال وتاجر؟
فيما يخص الدين العام، عقد مؤتمر في 29 ديسمبر الماضي، وأعلن فيه عن فرض ضرائب على القطاع الخاص، وأنا أؤيد فرض الضرائب على القطاع الخاص، لأنه واجب وطني، وينبغي للقطاع الخاص أن يسهم في معالجة الوضع المالي للدولة، لكني أرى أن يكون ذلك في إطار حوار وطني شامل بمشاركة المتخصصين، ولقد نشرت رأيي على وسائل التواصل الاجتماعي، وهناك آخرون من المهتمين يشاركونني الرأي نفسه. وأنا أقدر جهود الدولة وأشكرها، وهي ما تزال تبذل قصارى جهدها، لكن حين تسمع رأي الطرف الآخر، يمدك بأفكار جديدة، ويشاركك في مرحلة التنفيذ. لذلك أصر على الدعوة إلى حوار وطني هادئ، بعيد عن الضوضاء، حوار مثمر منتج. وأتمنى من الدولة أن تتبنى هذه المبادرة.
هل هناك بوادر إيجابية في هذا الاتجاه؟
الدليل على ذلك، ما أعلن عنه حديثا من مشروع “الرؤية 2050”، نحن الآن في رؤية 2030، وقد تبقى عليها خمس سنوات فقط. وقد صرحت الحكومة بأن الرؤية 2050 ستُعد بمشاركة القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني وغيرهم، وأتمنى أن تكون المشاركة حقيقية وفاعلة، لأن الاستماع إلى الرأي الآخر والإنصات إليه يثري الفكر ويستنير به.
رؤية البحرين 2030 قامت على ثلاث ركائز كما أشرت، ماذا تتمنى لرؤية البحرين الاقتصادية 2050؟
أتمنى أن تتضمن نسبا إنتاجية محددة وأرقاما واضحة، على غرار ما هو معمول به في دول العالم، حتى يتسنى لي أن أعرف أين وصلت، وأصحح مساري إذا قصرت في بعض الجوانب. نحن الآن من 2030 إلى 2050، عشرون عاما، أقسمها إلى خطط خمسية. كل خمس سنوات أضع خطة، وفي مرحلة التنفيذ، كل عشر سنوات أجري تقييما، على سبيل المثال، أنا أتولى إدارة خمسين مدرسة، بعد التقييم، أجد أنني لم أنجز خمسين، بل أربعين، هذا مقبول، لأن خطتي تتسم بالمرونة. لذلك أصر على الدعوة إلى حوار وطني هادئ، بعيد عن الضوضاء، حوار مثمر منتج. وأتمنى من الدولة أن تتبنى هذه المبادرة.
أختتم هذا اللقاء الممتع بالعودة إلى مسقط الرأس قرية قلالي، وهي أيضا مركز المنانعة في البحرين، وإلى المحرق بشكل عام، كيف أثرت قلالي والمحرق في شخصيتك؟
نحن عائلة واحدة، حتى لو تفرق بنا المقام، لقد كنا أول أسرة ممتدة، أسرة مركبة، أدركت ذلك منذ نعومة أظفاري. كان للوالد (رحمه الله) زوجات أخريات، وأبناؤهم جميعا كانوا يعيشون في بيت واحد، ثم تفرعنا بعد ذلك. نحن من قلالي، ثم نزلنا إلى المحرق، ثم انتقلنا إلى الزنج، ثم إلى الجنبية، كان سبب الانتقال، بطبيعة الحال، هو سهولة المواصلات وظروف أخرى. لكننا اليوم ما نزال مرتبطين بعضنا ببعض، ولله الحمد.
ماذا تعلمتم من هذه التنقلات؟
تعلمنا من الآخرين، وهذا أهم ما في الأمر، وما زلت حريصا على حضور مجلس سالم الدويل في قلالي، ليس في المناسبات فقط. بل في الأيام التي يسعفني فيها الوقت، أحرص على الحضور، لأرى الوجوه، أرى إخواننا وأبناءنا، فأستفيد منهم ويفيدون مني. وقلالي اليوم اتسعت، وصارت أكبر وأجمل، زظهرت فيها مراكز تجارية، واتصلت عمرانيا بالحد، وضاعت الحدود القديمة، وكبر المطار، لكن التوسع أمر لا مفر منه، ولا بديل عنه.
ما أعظم إنجاز تحقق في البحرين برأيك؟
أعظم إنجاز هو حكمة جلالة الملك المعظم في إنشاء المجلسين: مجلس الشورى ومجلس النواب، هذه ميزة تفردت بها البحرين بين دول الخليج. دول خليجية أخرى واجهت مشكلات عديدة، ونحن لدينا هذا التوازن الفريد، مجلس منتخب من الشعب، ومجلس معين، يجتمعان في إطار واحد، هذا التوازن، بصراحة، يكفل مزيدا من الدراسة والتمحيص للقرارات، وكل جديد يحتاج إلى وقت حتى ينضج، فلا ينبغي أن نقسو في أحكامنا على النائب، ولكننا نقول للناخب: حين تترشح للانتخابات، اختر الشخص المؤهل، وابتعد عن المحسوبية. لا تنتخب من بسط خيمته وأقام الموائد، إن لم يكن أهلا للمسؤولية.
ما رأيك في دور معهد التنمية السياسية؟ في بداية عضويتي، قدم لنا المعهد دورة مكثفة، بين لنا فيها الفرق بين القانون المقترح ومشروع القانون، وشرح لنا اللوائح والأنظمة، لكن أين المخرجات؟ اقترحت في كتابي أن تضع الحكومة نسبة نجاح في المعهد كشرط للترشح، والقائمون على وضع هذه النسبة أناس لا يعرفون أسماء المرشحين، إنما يعرفون أرقام جلوسهم فقط.