الدين العام.. اختبار يتحدى الاستدامة المالية

| د. حسن العالي

الدين العام لا يقاس بحجمه فقط بل بقدرة الاقتصاد على تحمله دون التضحية بالنمو أو الاستقرار المالي السؤال الحقيقي ليس كم بلغ الدين.. بل هل يستطيع الاقتصاد الاستمرار في حمله دون أزمات مستقبلية؟ حين تتحول خدمة الدين إلى عبء على الموازنة تبدأ خيارات التنمية بالتقلص الاقتراض يصبح خطرا عندما يمول ش الجاري بدلا من الاستثمار المنتج الاستدامة المالية ليست هدفا رقميا بل منظومة متكاملة من نمو اقتصادي وكفاءة إنفاق وإدارة دين احترافية الانتقال من إدارة الدين إلى إدارة الاستدامة هو الفارق بين معالجة مؤقتة وإصلاح طويل الأجل

لا يُقاس خطر الدين العام بحجمه وحده، بل بمدى استدامته. فالاستدامة المالية تعني قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الحالية والمستقبلية من دون اللجوء إلى زيادات ضريبية مفاجئة، أو تقليص حاد في الخدمات العامة، أو الدخول في دوامة إعادة تمويل متكررة. ومن هذا المنطلق، يصبح السؤال الجوهري ليس كم بلغ الدين العام، بل ما إذا كان المسار الحالي لهذا الدين قابلًا للاستمرار في ظل مستويات النمو الاقتصادي وكلفة الاقتراض وهيكل الإيرادات العامة.

يعرّف الدين العام بأنه المجموع المتراكم لالتزامات الدولة تجاه المقترضين، سواء كانوا مؤسسات أو دولًا أو مستثمرين محليين وخارجيين، ويُستخدم عادةً لتمويل العجز في الميزانية أو لإعادة تمويل التزامات قائمة. ويُعد مؤشر نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي من أكثر المؤشرات استخدامًا في تقييم الاستدامة المالية، خصوصًا في الاقتصادات الصغيرة والمفتوحة مثل البحرين، حيث تُعد المستويات المرتفعة من هذه النسبة إشارة على وجود ضغوط مالية على الميزانية.

تطور الدين العام ومساره

على مدى السنوات العشر الماضية، شهدت البحرين ارتفاعًا متسارعًا في حجم الدين العام، متأثرة بانخفاض أسعار النفط منذ العام 2014، وارتفاع مستويات الإنفاق الحكومي، ثم تداعيات جائحة كورونا. ففي العام 2015، بلغت نسبة الدين نحو 56 % من الناتج المحلي الإجمالي، لترتفع إلى نحو 88 % في 2018، قبل أن تتجاوز 125 % مع بداية الجائحة في 2020.

وبالاعتماد على بيانات السنة المالية 2025، بلغ إجمالي الدين العام نحو 19.4 مليار دينار بحريني، أي ما يعادل 109.3 % من الناتج المحلي وفق نشرة مصرف البحرين المركزي، بينما تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن النسبة تصل إلى نحو 134 %. ويعكس هذا التباين استمرار الضغوط على المالية العامة، ويؤكد أن مسار الدين ما يزال يمثل تحديًا حقيقيًا للاستدامة المالية.

بطبيعة الحال، الدين العام سوف يكون أكبر من هذا المبلغ إذا ما تم الاخذ بالاعتبار ديون المؤسسات الحكومية والمطالبات على الحكومة في ميزانية مصرف البحرين المركزي التي بلغت 4.1 مليار دينار في نهاية 2025.

متى يصبح الدين مكلفا للاقتصاد الوطني؟

يصبح الدين العام مكلفا عندما تنمو كلفة خدمته بوتيرة أسرع من نمو الإيرادات، أو عندما يُستخدم الاقتراض بشكل رئيس لتغطية الإنفاق الجاري بدلًا من تمويل مشروعات إنتاجية ترفع القدرة الاقتصادية المستقبلية.

وفي حالة البحرين، تشير البيانات إلى أن جزءًا كبيرًا من الاقتراض يذهب لإعادة التمويل أو سد فجوات تشغيلية، ما يؤثر على قدرة الاقتصاد على توليد موارد جديدة تُخفف عبء الدين مستقبلًا،

ويجعل المالية العامة قابلة للخضوع لضغوط عند أي صدمة نفطية أو ارتفاع إضافي في أسعار الفائدة العالمية.

هيكل الدين وتأثيره على الاستدامة

يتوزع الدين العام البحريني بين دين داخلي يشكل نحو 28 % من الإجمالي، ودين خارجي بنسبة تقارب 72 %، غالبيته مقوم بالدولار الأميركي عبر صكوك وسندات دولية. ويعكس هذا الهيكل اعتمادًا مرتفعًا على الأسواق الخارجية، ما يزيد من حساسية المالية العامة لتقلبات أسعار الفائدة العالمية وتغيرات شهية المستثمرين.

تتوزع أدوات وآجال استحقاق الدين العام على النحو التالي:

المصدر: الحساب الختامي للدولة ( (2024

(*) تتضمن القروض المستلمة ضمن برنامج التوازن المالي لمملكة البحرين فيما عدا المبالغ المستلمة من دولة الكويت، والتي تم تصنيفها كودائع وليست قروض.

إن ارتفاع نسبة الدين الخارجي، إلى جانب الاعتماد على أدوات قصيرة ومتوسطة الأجل، يرفع مخاطر إعادة التمويل، ويضغط على التخطيط المالي طويل الأجل، وهو ما ينعكس مباشرة على استدامة الدين واستقرار السياسة المالية.

خدمة الدين والضغط على الميزانية

في ميزانية 2025 - 2026، بلغ إجمالي الإنفاق الحكومي نحو 4.4 مليار دينار بحريني بالعام 2025، استحوذ الإنفاق الجاري على قرابة نصفه، في حين لم تتجاوز حصة الإنفاق الاستثماري 6 %. وفي المقابل، بلغت خدمة الدين نحو مليار دينار بحريني، أي ما يقارب 22 % من إجمالي الميزانية.

وتُعد خدمة الدين من أهم مؤشرات الاستدامة المالية، لأنها تمثل العبء الفعلي الذي يقيّد الخيارات المالية للدولة. فكلما ارتفعت هذه الخدمة، تقلصت المساحة المتاحة للإنفاق التنموي والخدمات الأساسية، ما يفرض مفاضلات صعبة بين متطلبات الاستقرار المالي والاحتياجات الاجتماعية.

الإيرادات وتقلبات النفط

حققت الميزانية تقدم كبير في تنمية الإيرادات غير النفطية، وصارت الإيرادات تمثل نحو 51 % من إجمالي الإيرادات العامة. وقد شهدت أسعار النفط خلال العامين 2025 وبدايات 2026 تقلبات ملحوظة، تراوحت بين 65 و70 دولارًا للبرميل، ما انعكس على استقرار الإيرادات الحكومية، ودفع نحو الاعتماد على الاقتراض.

ورغم أن ضريبة القيمة المضافة والإيرادات غير النفطية باتت تشكل نحو 49 % من الإيرادات، إلا أن استمرار العجز، بل وتسجيل اقتراض يتجاوز أحيانًا حجم العجز المعلن، يشير إلى خلل في الربط بين التخطيط المالي والتنفيذ، وهو ما ينعكس على الاستدامة المالية.

برنامج التوازن المالي: إجراءات وتقييم

أطلقت البحرين برنامج التوازن المالي بهدف تحقيق الاستدامة في المالية العامة، عبر:

-  رفع الدعم تدريجيًا عن بعض السلع والخدمات، بدلًا من دعمه غير المستهدف.

-  فرض ضريبة القيمة المضافة (VAT) وفق آليات تصاعدية تهدف إلى توسيع القاعدة الضريبية.

-  ضبط الإنفاق الحكومي عبر تحسين كفاءته وتحديد أولويات واضحة.

-  تعزيز الإيرادات غير النفطية من خلال تحسين تحصيل الرسوم والضرائب الانتقائية.

رغم هذه الإجراءات، فإن التوازن المالي لم يحقق النتائج المتوقعة في تقليل نسبة الدين، ويرجع ذلك إلى:

-  تأثر البرنامج بجائحة كورونا، حيث تضخّم الإنفاق الداعم للسوق والقطاع الخاص.

-  استمرار العجز في الإيرادات يتجاوز مستويات النمو الحقيقي.

-  ضعف الربط بين الإجراءات على مستوى السياسات المالية والترتيبات الهيكلية.

أبعاد هيكلية مغفلة

تتجاوز قضية الدين العام مجرد الأرقام، لتشمل جوانب هيكلية مؤثرة، من بينها غياب إطار قانوني ملزم لإدارة الدين، وعدم التمييز الواضح بين الدين المنتج والدين الموجه للإنفاق الجاري، فضلًا عن الالتزامات غير المباشرة المرتبطة ببعض الكيانات الحكومية، والتي لا تظهر بالكامل في البيانات الرسمية لكنها تمثل أعباء مالية محتملة.

كما أن ارتفاع أسعار الفائدة عالميًا يزيد من كلفة إعادة التمويل، ويحدّ من المرونة المالية، في وقت تبرز فيه الحاجة إلى شفافية أكبر في استخدامات الاقتراض وربطها بأهداف اقتصادية واضحة.

التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية لارتفاع الدين العام

ارتفاع الدين العام له تأثيرات متعددة الأبعاد:

-  اقتصاديًا: يحدّ من قدرة الحكومة على الاستثمار التنموي، ما يضغط على إمكانات النمو طويل الأجل.

-  ماليًا: يضغط على الميزانية عبر ارتفاع خدمة الدين، ويحدّ من المرونة في مواجهة الصدمات.

-  اجتماعيًا: يؤدي الضغط على الإنفاق العام إلى تقليص الدعم أو الخدمات العامة، ما يؤثر على مستويات المعيشة.

-  ائتمانيًا: تراجع التصنيف الائتماني للبحرين يزيد كلفة الاقتراض في المستقبل.

من إدارة الدين إلى إدارة الاستدامة

سلطنة عُمان تمثل نموذجًا في إدارة الدين العام بنجاح نسبي. فقد نجحت خلال العقد الماضي في خفض نسبة الدين من نحو 81 % من الناتج المحلي في 2020 إلى نحو 35 - 37% بحلول 2024 - 2025. وقد تحقق ذلك بفضل مجموعة من الإجراءات المتكاملة:

-  توجيه فوائض النفط لسداد الدين بدلاً من توسيع الإنفاق الجاري.

-  ضبط صارم للمصروفات التشغيلية والأجور.

-  إعادة هيكلة الدين بإطالة آجال الاستحقاق واستبدال الدين المرتفع الكلفة بأدوات أقل تكلفة من السوق المحلية.

-  تحسين الحوكمة المالية والشفافية.

-  إدراج إدارة الدين ضمن خطة استراتيجية طويلة الأجل مثل رؤية “عُمان 2040”، ما عزّز الثقة المالية والأسواق.

أحد النتائج الأساسية لهذه الجهود هو انخفاض تكلفة خدمة الدين بصورة ملموسة، وتحسن التصنيف الائتماني أو استقرار النظرة المستقبلية له.

وفي هذا السياق، فإن الانتقال في البحرين من إدارة الدين إلى إدارة الاستدامة المالية يتطلب تحولًا في النهج، يقوم على تعزيز الإيرادات المستقرة، وتحسين كفاءة الإنفاق، وربط أي اقتراض جديد بمشروعات إنتاجية تولد نموًا وإيرادات مستقبلية، بدلًا من الاكتفاء بدور الدين كأداة لسد فجوات مؤقتة.

مقترحات للاستدامة وخفض الدين العام

في ضوء التشخيص أعلاه، تأتي الحاجة إلى خريطة طريق واضحة وشاملة تتضمن إجراءات مالية ومؤسسية:

أولاً: إصلاح الإيرادات بشكل نوعي:

-  ضريبة دخل تصاعدية على شرائح الدخل الأعلى لضمان عدالة وفعالية في التحصيل.

-  ضرائب انتقائية على الكماليات والأنشطة ذات التأثير البيئي السلبي.

-  رسوم على الأراضي غير المستغلة لتشجيع الاستثمار وتوليد إيرادات.

-  تحسين تحصيل الرسوم الحكومية وتحديث نظم التحصيل الإلكتروني.

ثانيًا: ضبط المصروفات العامة:

-  إعادة هيكلة الدعم وتوجيهه للفئات الضعيفة

-  ضبط نمو فاتورة الأجور والتركيز على الإنتاجية

-  تقليص وترشيد الوزارات والأجهزة الحكومية والرسمية وشبه الرسمية.

-  إيقاف المشروعات منخفضة العائد الاقتصادي وتأجيلها حتى يقترن التمويل بالإيرادات.

-  تسعير الخدمات المقدمة للشركات وغير المواطنين

ثالثًا: إدارة الدين بشكل احترافي:

-  قانون لإدارة الدين العام يحدد سقوفًا إلزامية وآليات واضحة للرقابة.

-  إنشاء وحدة مستقلة لإدارة الدين داخل وزارة المالية لضمان تركيز مهني.

-  إعادة هيكلة الدين عبر:

-  إطالة آجال الاستحقاقات،

- استبدال أدوات عالية الكلفة بأخرى أقل تكلفة،

- تقليل الاعتماد على الدين القصير الأجل.

- ربط أي اقتراض جديد بمشروعات إنتاجية يولد عوائد مستقبلية، وليس لسد عجز جارٍ فقط.

رابعًا: تعزيز الكفاءة المؤسسية:

-  تحسين نظم الإفصاح والشفافية المالية.

-  ربط السياسات المالية بالسياسات الاقتصادية الحقيقية عبر مؤشرات أداء قابلة للقياس.

خلاصة

في المحصلة، لا يمثل الدين العام في البحرين تحديًا محاسبيًا بقدر ما يشكل اختبارًا حقيقيًا للاستدامة المالية. فاستمرار المسار الحالي سيُبقي المالية العامة عرضة للتقلبات، في حين أن تبني نهج استدامي واضح يمكن أن يفتح الباب أمام استعادة التوازن المالي وتعزيز الثقة الاقتصادية على المدى المتوسط والطويل.