ريادة الأعمال والأسئلة الصعبة.. كيف تتحول من مشروع للنجاة من البطالة إلى مساهم في خلق اقتصاد جديد؟
ريادة الأعمال هي عملية تحديد فرصة تجارية مبتكرة، وتنظيم الموارد اللازمة، وتحمل المخاطر المرتبطة بها لتحويل الفكرة إلى مشروع ربحي قائم. لذلك، يجب أن نؤكد هنا أن توليد فكرة ريادية لا يعني اختيار الفكرة التي ينجذب لها رائد الاعمال، بل يجب أن تنطلق من عملية منهجية تعتمد على الملاحظة الذكية والتحليل. فكرة ريادة الأعمال الناجحة هي التي تقف في نقطة التقاء بين “المشكلة” و “الحل المبتكر” و “السوق المستعد للدفع. أي تأتي لحل مشكلة أو حاجة موجودة.
الخصائص المشتركة لنجاح تجارب ريادة الأعمال - المرونة التشريعية: لتواكب الابتكارات الجديدة (مثل الذكاء الاصطناعي والبلوكشين). - سهولة الوصول للتمويل: وتنوعه بين منح حكومية، مستثمرين ملائكيين، وصناديق رأس مال جريء. - البيئة الاختبارية (Sandbox): السماح للشركات بتجربة تقنياتها في بيئة واقعية تحت إشراف تنظيمي قبل تعميمها. - التركيز على التصدير: بناء مشاريع تستهدف السوق العالمي، وليس السوق المحلية فقط. - البنية التحتية الرقمية: إنترنت فائق السرعة، خدمات سحابية متطورة، وأمن سيبراني قوي. ريادة الأعمال في السياق البحريني في السياق البحريني، تشير البيانات الرسمية إلى أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تمثل ما يزيد على 90 % من إجمالي الشركات المسجلة، وتسهم بما يقارب 30 - 35 % من الناتج المحلي الإجمالي، مع وجود مستهدف وطني لرفع هذه المساهمة إلى 45 % بحلول العام 2026. إلا أن هذه الأرقام، على أهميتها، تخفي خلفها تحديا نوعيا، يتمثل في أن نسبة كبيرة من هذه المؤسسات تظل محصورة في أنشطة تقليدية منخفضة القيمة المضافة، فيما لا تزال مساهمة الشركات الناشئة التقنية والخدمية العابرة للحدود محدودة نسبيا من حيث التوظيف والأجور المرتفعة. كما تظهر التجربة المحلية أن التحدي لا يكمن في تأسيس المشاريع بقدر ما يكمن في استدامتها ونموها، حيث تشير التقديرات غير الرسمية إلى أن نسبة معتبرة من المشاريع الناشئة لا تتجاوز السنوات الثلاث الأولى، وهو ما يعكس الحاجة للانتقال من سياسات “التشجيع على البدء” إلى سياسات “الدعم من أجل التوسع والبقاء”. الإطار المؤسسي لريادة الأعمال في البحرين - مجلس تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة يعد هذا المجلس المظلة المؤسسية العليا التي تضع الاستراتيجيات الوطنية لريادة الأعمال. ويضم في عضويته كبار المسؤولين من الجهات التنفيذية والتمويلية لضمان تكامل الأدوار. - الوزارة المشرفة: وزارة الصناعة والتجارة. - الأعضاء الرئيسون: - صندوق العمل (تمكين): المسؤول عن برامج الدعم والتمويل. - مجلس التنمية الاقتصادية: مسؤول عن السياسات الكلية وجذب الاستثمارات. - بنك البحرين للتنمية: الذراع التمويلية المتخصصة. - مجلس المناقصات والمزايدات: لتعزيز مشاركة المؤسسات الصغيرة في المشتريات الحكومية. - صادرات البحرين: مؤسسة مخصصة لدعم الشركات المحلية في توسيع نطاق أعمالها والوصول إلى الأسواق العالمية. - مصرف البحرين المركزي: يدعم الابتكار في التكنولوجيا المالية (FinTech) من خلال البيئة الرقابية التجريبية وخليج البحرين للتكنولوجيا المالية. يعمل مجلس تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ضمن “خطة العمل المحدثة للأعوام (2022 - 2026)، والتي تهدف إلى رفع مساهمة هذه المؤسسات في الناتج المحلي الإجمالي إلى 45 % بحلول العام 2026، وزيادة عدد الموظفين البحرينيين فيها إلى 47 ألف موظف. تتمثل أهم المبادرات في خمسة محاور استراتيجية: - تسهيل الوصول إلى التمويل من خلال تمكين وصندوق المؤسسات الصغيرة والمتوسطة - الوصول إلى الأسواق من خلال نظام الأفضلية في المناقصات و “صادرات البحرين” - تطوير البيئة التشغيلية والرقمية من خلال نظام سجلات وتراخيص الحاضنات والمسرعات - تطوير المهارات والابتكار من خلال برامج تدريبية متخصصة في الحوسبة السحابية والأمن السيبراني بالتعاون مع تمكين. - الرصد والتقييم (دعم اتخاذ القرار) من خلال إنشاء قاعدة بيانات شاملة لتصنيف المؤسسات حسب الحجم والقطاع، ما يسمح بتصميم برامج دعم مخصصة وتقييم أثر المبادرات الحالية بدقة. ريادة الأعمال والأسئلة الصعبة هل تسهم ريادة الأعمال في إعادة تدوير الثروة؟ يجادل المدافعين عن ريادة الاعمال أنه في الاقتصادات التقليدية، تتركز الثروة والوظائف في كيانات ضخمة (Corporates)، لكن في النظرة الحديثة، تعمل ريادة الأعمال على تفتيت الاحتكار. كما أن ريادة الأعمال توجه رأس المال نحو القطاعات الأكثر احتياجا والأعلى إنتاجية، ما يسهم في كفاءة تخصيص الموارد. في المقابل. ريادة الأعمال قد تؤدي إلى تفتت جهود المجتمع وينتج عنها تراكمات سلبية. هل يمكنها التعويض عن الأنشطة التقليدية في توليد الوظائف؟ التعويض جزئي: مع دخول الأتمتة والذكاء الاصطناعي، تفقد الشركات الكبرى والمصانع آلاف الوظائف الروتينية. ريادة الأعمال هي “الملاذ الجزئي” لاستيعاب هذه القوى العاملة عبر خلق وظائف في مجالات لم تكن موجودة. ما هي الفجوة والمخاطر؟ رغم قدرتها على التعويض جزئيا، إلا أن هناك تحديات تجعل هذا التعويض غير مكتمل: - لا يمكن لأي اقتصاد الاستغناء على المشاريع الكبيرة في مجالات البنية التحتية والتنمية والخدمات. - عدم الاستقرار الوظيفي: الوظائف التي تخلقها ريادة الأعمال غالبا ما تفتقر إلى الأمان الوظيفي والضمانات الاجتماعية التي كانت توفرها الشركات الكبرى أو القطاع العام. - الحاجة لمهارات عالية: تتطلب ريادة الأعمال مهارات تقنية وإبداعية لا تتوافر لدى الجميع، ما قد يخلق فجوة بطالة لمن لا يستطيع مواكبة التحول الرقمي. هل ينطبق ذلك على البحرين؟ في سياق بلد مثل البحرين بخصوصيته وموارده الجغرافية والاقتصادية، تعد ريادة الأعمال ليست مجرد “خيار” بل هي “ضرورة استراتيجية” للمساهمة في حل معضلة البطالة الهيكلية وخلق اقتصاد قائم على الابتكار والتجديد. ولكن ليس بالنمط التقليدي (فتح مقهى أو مطعم)، بل عبر “الريادة العابرة للحدود”. البحريني الخريج لا يمكنه التنافس مع العمالة الوافدة في وظائف منخفضة المهارة برواتب ضعيفة، لذا الحل هو خلق شركات تعتمد على “رأس المال الفكري” وليس “كثافة العمالة”. ما هي التحديات الحالية في بيئة الأعمال؟ رغم الجهود الكبيرة، لا تزال هناك فجوات تعيق تحول ريادة الأعمال إلى “محرك توظيف” حقيقي للبحرينيين: - فجوة التمويل للمرحلة المتوسطة: تتوفر منح ودعم للبدايات (مثل تمكين)، لكن هناك نقص في “رأس المال الجريء” الذي يدفع الشركات للتوسع الإقليمي، مما يبقيها صغيرة وغير قادرة على توظيف رواتب عالية. - ثقافة “الأمان الوظيفي”: لا يزال هناك ضغط اجتماعي نحو الوظيفة الحكومية أو الشركات الكبرى، ما يجعل الخريج المبدع يتردد في المخاطرة. - تكاليف التشغيل غير المرنة: الرسوم الحكومية وتكاليف الإيجارات قد لا تتناسب مع الشركات الناشئة في مراحلها الأولى التي تعتمد على الابتكار التقني. - الفجوة بين المهارات الأكاديمية واحتياجات السوق التقني: الخريج البحريني يمتلك الشهادة، لكنه قد يفتقر للمهارات “الريادية” (المرونة، البرمجة المتقدمة، إدارة النمو). هل تستطيع ريادة البحرين التنافس مع ريادة دول الخليج العربي؟ الحديث عن التصدير الخدمي والرقمي لريادة الأعمال في البحرين يجرنا للحديث عن وجود توجهات مماثلة لدى ريادات دول الخليج العربي الأخرى وبإمكانات وموارد ضخمة أكبر بكثير من تالك التي تمتلكها ريادات البحرين. وما الذي يضمن للبحرين مكانا؟ وهل هناك أفق حقيقي أم أننا نبيع الوهم للشباب؟ 1. معضلة “التشابه الهيكلي” والمنافسة الخليجية: - صحيح أن دول الجوار تملك سيولة ضخمة، لكن الضخ المالي ليس دائما هو العامل الحاسم في نجاح ريادة الأعمال. بعض دول الخليج تركز على “الضخامة والنمو الداخلي”، والآخر يركز على “العالمية واللوجستيات”. - أين تقع البحرين؟ الأفق يكمن في “التخصص الدقيق” (Niche Markets) وليس في الحجم. البحرين لا يمكنها منافسة “نيوم” أو “دبي”، لكن يمكنها أن تؤسس: - المختبرات الرشيقة (The Agile Lab): بفضل صغر حجمها وبساطة هيكلها الإداري. البحرين أصدرت تشريعات مثل قوانين الـ Crypto أو الـ BioTech. هذا ما يجذب الشركات الناشئة العالمية التي تبحث عن “بيئة تجريبية” سريعة. 2. ريادة الأعمال العابرة للحدود: “القوة الناعمة” مقابل “قوة المال” - في ظل تنافس الجميع على ريادة الأعمال، الأفق للبحرين يعتمد على “جودة ومرونة الكادر البشري. - التكلفة التشغيلية المنافسة: البحريني خريج الجامعات تظل تكلفته التشغيلية على الشركة الناشئة أقل من نظيره في دبي أو الرياض (من حيث السكن والمعيشة)، ما يجعل البحرين قاعدة انطلاق “منخفضة التكلفة وعالية الجودة”. - الاندماج وليس المنافسة: الأفق الحقيقي هو في بناء شركات بحرينية “تكمل” سلاسل الإمداد في دول الخليج الأخرى. بدلا من محاولة بناء “أمازون” جديد، ينجح الشباب البحريني في بناء حلول تقنية متخصصة لخدمة المصانع السعودية أو قطاع السياحة السعودي على سبيل المثال. 3. ما هي “النواقص” التي يجب علاجها؟ إذا أرادت البحرين أن يكون لريادة الأعمال أفق حقيقي يسهم في خلق اقتصاد قائم على الابتكار، يجب العمل على توفير: - دبلوماسية ريادة الأعمال: أن تعمل الحكومة على توقيع اتفاقيات “نفاذ” تسمح للشركات البحرينية الناشئة بدخول السوق الخليجي بمعاملة “الشركة الوطنية”، لتجاوز صغر حجم السوق المحلية. - التعليم المتقدم تقنيا: لا يكفي خريج جامعة تقليدي يعرف كيف يستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي. الأفق يتطلب شبابا يتقنون الحوسبة الكمية، الأمن السيبراني المتقدم، وهندسة الجينات. - التحول من “الدعم المالي” إلى “فتح الأبواب”: تمكين تعطي المال، لكن الريادي يحتاج “عقودا”. المطلوب هو إلزام الشركات الكبرى في البحرين (مثل بتلكو، البا) بأن تكون “حاضنات” تشتري الخدمات من الشباب البحريني بدلا من استيرادها. كذلك تفعيل المشتريات الحكومية. - تطوير “صندوق حماية الرياديين”: توفير شبكة أمان اجتماعي (تأمين ضد الفشل) تشجع الخريج على البدء بمشروعه، بحيث لا يضيع مستقبله في حال لم ينجح المشروع الأول. - مواكبة أسرع للتشريعات تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تظهر مستجدات بصورة دائمة. ولتحويل هذه التوصيات من إطارها النظري إلى أثر ملموس في سوق العمل، يمكن النظر إلى معالجات ريادة الأعمال ضمن ثلاث مستويات زمنية متكاملة. - على المدى القصير، تبرز الحاجة إلى تخفيف كلفة الدخول إلى السوق عبر رخص تشغيل مرنة ومنخفضة التكاليف، وربط الدعم المالي الحكومي بعقود فعلية مع القطاعين العام والخاص، بما يضمن تدفقات نقدية مستقرة للمشاريع الناشئة. - وعلى المدى المتوسط، يصبح تطوير منظومة رأس المال الجريء أولوية، ليس فقط عبر التمويل، بل من خلال جذب خبرات تشغيلية واستثمارية قادرة على مرافقة الشركات في مراحل النمو والتوسع الإقليمي. - أما على المدى الطويل، فإن نجاح ريادة الأعمال كرافعة اقتصادية حقيقية يظل رهنا بإعادة مواءمة منظومة التعليم العالي مع متطلبات الاقتصاد التقني، بحيث يصبح تخريج رواد أعمال ومطوري حلول رقمية جزءا أصيلا من وظيفة الجامعة، لا نشاطا هامشيا مكملا. إن نجاح ريادة الأعمال في البحرين لا ينبغي قياسه بعدد السجلات التجارية أو حجم التمويل المقدم، بل بقدرتها على خلق وظائف نوعية، وتوليد شركات قادرة على المنافسة خارج الحدود، والمساهمة الفعلية في إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني نحو قطاعات أعلى إنتاجية.