فتح باب التحايل على الأحكام الباتة أبرز مآخذ الحكومة على المشروع

رفض تقييد تنفيذ إبعاد الأجنبي حمايةً لحقوق الدائنين

| ندى فهد

يعتزم مجلس النواب في جلسته المقبلة مناقشة مشروع قانون بتعديل المادة (64) مكرراً) من قانون العقوبات الصادر بالمرسوم بقانون رقم (15) لسنة 1976، والذي يهدف إلى ضمان حقوق الدائنين وتفادي الإضرار لمن لديهم مستحقات مالية في ذمة الاجنبي المحكوم عليه بالإبعاد.

يتكون مشروع القانون - فضلا عن الديباجة - من مادتين، حيث تضمنت المادة الأولى على أنه يستبدل بنص المادة (64) مكرراً) من قانون العقوبات الصادر بالمرسوم بقانون رقم (15) لسنة 1976 نص جديد مفاده وجوب الأخذ بالاعتبار حقوق الدائنين قبل تنفيذ حكم الإبعاد، في حين جاءت المادة الثانية تنفيذية.

وقالت الحكومة إنها تتفق مع الأهداف التي يرنو مشروع القانون إلى تحقيقها، وترى إعادة النظر فيه.

ولفتت إلى أن من شأن مشروع القانون تغليب المصلحة الشخصية للأفراد على المصلحة العامة، حيث إنه من المقرر فقهاً وقضاء أنَّ المصلحة العامة للدولة تعلو على المصلحة الشخصية للأفراد، فإذا تعارضت المصلحتان، وجب تغليب المصلحة العامة للدولة، ولما كان الهدف من مشروع القانون المعروض هو تقييد سلطة القاضي في إبعاد الأجنبي رغم صدور حكم بإدانته وثبوت خطورته على المجتمع، بغية حماية حقوق دائنيه المدنية، الأمر الذي من شأنه تغليب المصلحة الشخصية للأفراد على المصلحة العامة للدولة، وهو ما يحظر على المشرع الإتيان به وإلا شاب مسلكه الانحراف بالسلطة.

وتابعت “قضت المحكمة الدستورية في حكمها بأنه: وحيث إن عوار الانحراف بالسلطة التشريعية الذي تختص المحكمة بمراقبته، كوجه من وجود الطعن بعدم الدستورية، إنما يتعلق بانحراف المشرع عن تحقيق الصالح العام أو برسمه مرامي تُخالف الغاية التي حددها الدستور من التشريع، ذلك أن الأصل أن النصوص التشريعية تصدر لتحقيق أغراض حدّها الدستور، فإن انقطع اتصالها بها وقعت باطلة لانحراف المشرع بها عن الغايات المقررة دستورياً، ولما كان المشرع يعبر عن الإرادة العامة في إطار من النزاهة والتجرد، مستهدفاً فيما يصدره من قوانين المصلحة العامة، يلتزم نهجها ولا يتنكب عنها، إذ لا غاية له سواها، ولا هدف له عداها”.  

وأشارت إلى أن مشروع القانون تعارض مع نص المادة (79/‏أ) من قانون المرافعات المدنية والتجارية الصادر بالمرسوم بقانون رقم (12) لسنة 1971 وتعديلاته، والذي ينص على أن: “يجوز للمحكمة أن تصدر أمرها المشار إليه في المادتين (176، (178) من هذا القانون على وجه الاستعجال دون استدعاء الطرف الآخر ...... ولا يخل صدور أمر المنع من السفر من تنفيذ حكم الإبعاد البات الصادر بحق المدعى عليه أو بسلطة الإدارة في إنهاء إقامة الأجنبي أو أمره بمغادرة البلاد طبقاً لأحكام القانون”.

وذكرت أنه يتعارض أيضا مع نص المادة (1/‏40) من قانون التنفيذ في المواد المدنية والتجارية الصادر بالمرسوم بقانون رقم (22) لسنة 2021، والتي تنص على أن : “إذا كان يخشى فرار المنفذ ضده من البلاد بغية التهرب من التنفيذ ولم تكن أمواله الظاهرة كافية لسداد ديونه، فلقاضي محكمة التنفيذ بناء على طلب المنفذ له أن يصدر أمراً بمنعه من السفر لمدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر قابلة للتجديد لمدد أخرى مماثله، وبحد أقصى ثلاث مرات، وذلك من أجل التحقق من عدم وجود أموال يمكن التنفيذ عليها تخص المنفذ ضده، ولا يخل صدور أمر منع السفر من تنفيذ حكم الإبعاد البات الصادر بحق المنفذ ضده أو بسلطة الإدارة في إنهاء إقامة الأجنبي أو أمره بمغادرة البلاد طبقاً لأحكام القانون”.

وأضافت “ومؤدى هاتين المادتين أن المشرع حرص على منح تنفيذ حكم الإبعاد البات الصادر بحكم المحكوم عليه أولوية مطلقة حتى مع صدور أمر قضائي بالمنع من السفر وذلك تغليباً للمصلحة العامة للدولة على المصلحة الشخصية للأفراد، ومن ثم فإن ما جاء به مشروع القانون الماثل وما يهدف إليه من تغليب المصلحة الشخصية لدائني الأجنبي المحكوم عليه بالإبعاد على المصلحة العامة للدولة يتعارض مع المبدأ الذي أرساه المشرع في المادتين المذكورتين”.

وقالت الحكومة إن مشروع القانون تعارض مع قوة الأمر المقضي به للأحكام الجنائية الباتة، حيث إن مشروع القانون الماثل فيما تضمنه من عبارة مع الأخذ بعين الاعتبار حقوق الدائنين المقررة بموجب قانون التنفيذ في المواد المدنية والتجارية الصادر بالمرسوم بقانون رقم (22) لسنة 2021 قبل تنفيذ الحكم بالإبعاد بالنسبة للمحكوم عليه” مؤداه تعطيل تنفيذ الحكم الجنائي البات الحائز على قوة الأمر المقضي به، وتعليق تنفيذه إلى حين قيام الأجنبي المحكوم عليه بسداد كافة حقوق دائنيه، وهو ما من شأنه إهدار قوة الأمر المقضي به للحكم الجنائي البات بالإبعاد، وتقيداً لعمل السلطة القضائية، وتدخلاً في سير العدالة، وهو ما نهت عنه المادة (104/‏ب) من الدستور التي تنص على أن: “لا سلطان لأية جهة على القاضي في قضائه، ولا يجوز بحال التدخل في سير العدالة”.

وأفادت أنه من شأن مشروع القانون الماثل فتح باب التحايل على الأحكام الجنائية الباتة الصادرة بالإبعاد، وذلك عبر قيام الأجنبي المحكوم عليه بتسخير الغير بالادعاء على غير الحقيقة بوجود مديونية له قبل المحكوم عليه، وإقامة دعوى قضائية بالمطالبة بتلك المديونية يقر فيها المدعى عليه المحكوم عليه بتلك المديونية، أو قيام الغير باستصدار أمر أداء لا يتم التظلم منه، بحسب الأحوال، ومن ثم قيام الغير بفتح ملف تنفيذ وفقاً لأحكام قانون التنفيذ في المواد المدنية والتجارية الصادر بالمرسوم بقانون رقم (22) لسنة 2021 مما يترتب عليه حال الأخذ بمشروع القانون الماثل - تعطيل تنفيذ حكم الإبعاد إلى أجل غير مسمى.

وذكرت الحكومة أن غالبية التشريعات في الدول العربية حذت حذو مملكة البحرين في عدم ربط تنفيذ الحكم الجنائي البات بالإبعاد بسداد المحكوم عليه لجميع حقوق دائنيه، كدولة الكويت، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ودولة قطر، وسلطنة عمان.

من جانبها أكدت وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف على اتفاقها مع ما جاء في مذكرة الحكومة.

من جهته: قال المجلس الأعلى للقضاء إنه يأمل في إعادة النظر في مشروع القانون، حيث إن تنفيذ حكم الإبعاد يحقق مصلحة عامة، وإرجاء تنفيذه لحين وفاء المحكوم عليه بالدين يحقق مصلحة خاصة غير محققة وتغليبها على المصلحة العامة المحققة والراجحة.

ولفت إلى أن التعديل يفتح باباً واسعاً للتحايل باصطناع سندات تنفيذية وهمية لا سبيل أمام الأجنبي المحكوم عليه للوفاء بها بغرض التوصل إلى إقامة مستمرة في البلاد رغم خطورة استمرار بقائه على الأمن والنظام أو الآداب في المجتمع.

وأضاف “تعليق الحكم الصادر بإبعاد الأجنبي المحكوم عليه على قيامه بالوفاء بكافة حقوق دائنيه يجعل نفاذ هذا الحكم أو عدم نفاذه في يد الأجنبي نفسه، فإما أن يفي به ويبعد عن البلاد، أو يمتنع عن الوفاء به ويظل باقياً في البلاد رغم خطورة وجوده”.

وقال إنه إذا لم توجد أموال للأجنبي المحكوم عليه تكفي لسداد ديونه فإن بقاءه في البلاد يكون عديم الجدوى، كما يقع على عاتق المتعاقد مع الأجنبي تبعة التحقق من قدرة الأخير على الوفاء بالتزاماته قبل إبرام العقد، وأخذ الضمانات الكافية التي تكفل اقتضاءه لحقوقه، فإذا قصر في ذلك فإنه يتحمل تبعة تقصيره.

وأشار المجلس إلى أنه يمكن لصاحب الحق التقدم بطلب الوفاء بالدين محل السند التنفيذي في بلد إقامة الأجنبي أو في أي بلد آخر توجد له فيها أموال يمكن التنفيذ عليها.

 

إلى ذلك، أكدت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان اتفاقها من حيث المبدأ مع الغايات التي يرمي مشروع القانون إلى تحقيقها، بوصفه يحفظ حق الدائنين في استرداد أموالهم من المدين الأجنبي في حال الحكم عليه بالإبعاد.

وقالت إنها تأمل في إعادة النظر ودراسة النص المقترح على نحو مستفيض، بوصف أن النص كما هو وارد في مشروع القانون لا يشكل حلاً جذرياً للموضوع، وربما يولد بعض الإشكاليات القانونية والعملية أثناء التنفيذ.

ولفتت إلى أنه من الأهمية بمكان وضع حلول تهدف إلى تمكين الأجنبي من سداد ديونه وإبراء ذمته المالية بدلا من بقاءه بعد تنفيذ محكوميته مما سيشكل عبئاً إضافياً على الجهة المنفذة للقانون.

وأبدت جمعية المحامين البحرينية مساندتها للنص المقترح؛ لما يترتب عليه من حماية لحقوق الدائنين المحكوم لهم بأحكام باتة واجبة النفاذ، ومنع التهرب من أدائها، واحتراماً لقوانين البلاد وأنظمتها ومنع مخالفتها والإضرار بمواطنيها.

واقترحت إعادة صياغة عبارة مع الأخذ بعين الاعتبار حقوق الدائنين المقررة، حتى تكون أكثر دلالة على منع الإبعاد قبل تنفيذ الأحكام القضائية المدنية.

وأوصت لجنة الشؤون الخارجية والدفاع والأمن الوطني برفض مشروع القانون من حيث المبدأ.