نحو تمكين اقتصادي مستدام للمرأة: تقييم السياسات والأثر
| د. حسن العالي
تمكين المرأة لم يعد خيارا اجتماعيا أو مطلبا حقوقيا فحسب بل أصبح رافعة اقتصادية أساسية للنمو والإنتاجية والاستدامة التمكين الاقتصادي الحقيقي يبدأ حين تتحول مشاركة المرأة من أرقام في سوق العمل إلى قيمة مضافة في الناتج الوطني الفجوة بين مشاركة المرأة في القطاعين الحكومي والخاص تمثل أحد أكبر تحديات التمكين الاقتصادي في البحرين تقليص فجوة الأجور ليس مسألة عدالة فقط بل أداة مباشرة لتعزيز الكفاءة الاقتصادية وزيادة الدخل القومي الخطة الوطنية لتمكين المرأة 2025 - 2026 تعكس انتقالا نوعيا من سياسات الإدماج الوظيفي إلى سياسات الإنتاجية والاستدامة نجاح سياسات تمكين المرأة مرهون بالتزام القطاع الخاص كشريك تنموي لا كمستفيد من الحوافز فقط الجمعيات النسائية تمثل خط الدفاع الأول في التمكين القاعدي، لكنها تحتاج إلى ربط أقوى بالسياسات الاقتصادية الرسمية التمكين الاقتصادي المستدام للمرأة لا يكتمل دون بيئة عمل مرنة وتشريعات حمائية ومسارات واضحة للقيادة وصنع القرار
في السنوات الأخيرة شهدت مملكة البحرين نقلة كبيرة في ملف تمكين المرأة اقتصاديا واجتماعيا، انعكست في سياسات وطنية، مؤسسات داعمة، ومستوى مشاركة متنامٍ في مواقع العمل وصنع القرار. وقد أثبتت التجربة البحرينية أن تمكين المرأة لا يعد مطلبا حقوقيا فقط، بل عنصرا اقتصاديا حيويا يمكن أن يعزز النمو، ويرفع الإنتاجية، ويقلص التفاوتات. ويتجاوز التمكين الاقتصادي مجرد زيادة أعداد النساء في سوق العمل، ليشمل المساواة في الأجور، مشاركة المرأة في القطاعات ذات القيمة المضافة، وصولها للمناصب القيادية، دعم الاستقلال المالي، وتيسير بيئة تنظيمية وتشريعية متقدمة.
تعريف التمكين الاقتصادي للمرأة التمكين الاقتصادي للمرأة يعني قدرة النساء على المشاركة الكاملة في النشاط الاقتصادي وتحقيق استقلالهن المالي، بما يشمل: فرص العمل اللائق.
المساواة في الأجور والفرص. التمثيل في مناصب صنع القرار الاقتصادي والإداري. الوصول إلى الموارد المالية (تمويل، قروض، دعم المشاريع). بيئة تشريعية وتنظيمية تضمن حقوق العمل والحماية الاجتماعية. واقع التمكين الاقتصادي للمرأة في البحرين
1. المشاركة في سوق العمل عند رصد واقع مشاركة المرأة البحرينية، تبيّن ارتفاع نسب مشاركة وحضور المرأة في بعض القطاعات والتخصصات والمجالات الحيوية، حيث استطاعت المرأة البحرينية أن تتجاوز مرحلة التمكين في المشاركة السياسية والحياة العامة والسعي نحو الريادة في الوصول إلى مواقع صنع واتخاذ القرار. ومن بعض أبرز تلك المؤشرات التي رصدت واقع تمكين وتقدم المرأة في عدد من القطاعات والتخصصات، هي: المشاركة في القطاع الحكومي وصل عدد البحرينيات إلى 21263 بنسبة بلغت 60 % للعام 2024. وصل عدد البحرينيات في الوظائف التنفيذية إلى 1901 بنسبة بلغت 50 %. بلغ عدد البحرينيات في الوظائف التخصصية 4177 بنسبة بلغت 64 %. المشاركة في القطاع الخاص بلغ عدد البحرينيات 37381 بنسبة 36 % للعام 2024. وصل عدد البحرينيات في الوظائف التنفيذية إلى 2467 بنسبة بلغت 36 %. بلغ عدد السجلات الافتراضية المملوكة للمرأة البحرينية 1220 بنسبة 54 % للعام 2024. المشاركة في صنع القرار بلغ عدد النساء في مجلس النواب 8 بنسبة بلغت 20 % للعام 2023. بلغ عدد النساء في مجلس الشورى 10 بنسبة 25 % للعام 2023. وصل عدد النساء في المجالس البلدية 3 بنسبة بلغت 10 %، وفي أمانة العاصمة 4 بنسبة بلغت 40 % بالعام 2023. تولت المرأة أيضا رئاسة مجلس النواب في العام 2018.
في القطاعات النوعية بلغ عدد الطبيبات البحرينيات 2798 بنسبة بلغت 66 % للعام 2024. بلغ عدد الممرضات البحرينيات 3657 بنسبة 83 % لنفس العام. بلغ عدد الأكاديميات البحرينيات 536 بنسبة وصلت إلى 55 % للعام 2023. بلغ عدد المهندسات البحرينيات في القطاع الحكومي 436 بنسبة بلغت 37 % للعام 2024. بالمقارنة مع: المتوسط العالمي لمشاركة المرأة في سوق العمل يبلغ نحو 47 %، بينما في الدول المتقدمة يتجاوز 70 %. * تشير تقديرات اقتصادية إلى أن كل زيادة 1 % في مشاركة النساء تعود بزيادة قدرها 0.3 - 0.5% في الناتج المحلي الإجمالي. وهكذا، فإن زيادة مشاركة المرأة البحرينية إلى 50 % فقط قد تضيف مئات الملايين من الدنانير سنويا إلى الاقتصاد الوطني.
2. الأجور والمساواة في الدخل ما تزال هناك فجوة في الأجور الحقيقية بين الجنسين في البحرين، إذ يبلغ متوسط الرواتب للمؤمن عليهم من الرجال 1017 دينارا والنساء 936 دينارا في القطاع العام و986 دينارا للرجال و728 دينارا للنساء في القطاع الخاص في الربع الثالث من العام 2025. على المستوى العالمي: فجوة الأجور بين الجنسين تتراوح بين 15 % و20 %. هذا يعني أن الفجوة في الأجور في القطاع العام مقبولة عالميا، بينما الفجوة في القطاع الخاص أعلى من المتوسط العالمي، وبالتالي فالمطلوب تقليص الفجوة. 3. الحماية الاجتماعية والتشريعات البيئة التشريعية في البحرين تتضمن توجهات لتعزيز المساواة في الفرص الوظيفية، مع وجود لجان معنية بالمساواة وتطبيقها داخل المؤسسات الحكومية. ولكن التشريعات الحمائية الاجتماعية والمتعلقة بالأسرة والأطفال من غير الزوج البحريني لا تزال ناقصة وبحاجة لتطوير. المجلس الأعلى للمرأة تأسس المجلس الأعلى للمرأة قبل أكثر من 25 عاما تحت الرعاية الملكية السامية، بقيادة قرينة الملك المعظم صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة، ليكون الجهة الوطنية الأولى المعنية بقضايا المرأة وتنمية مشاركتها في الحياة الاقتصادية والاجتماعية. وقد لعب المجلس دورا رئيسا في: إدراج قضايا النساء ضمن السياسات الحكومية (التشريعية، الاجتماعية والاقتصادية). التنسيق مع الوزارات والهيئات الحكومية والقطاع الخاص. إطلاق برامج تمكين نوعية تستهدف أعلى مستويات المشاركة في سوق العمل. الخطة الوطنية لتمكين المرأة 2025 - 2026 أطلق المجلس الخطة الوطنية 2025 - 2026 كخارطة طريق استراتيجية، تركز على 4 محاور رئيسة: الاستقرار الأسري. المشاركة في صنع القرار. المشاركة الاقتصادية. تحسين جودة الحياة. وترتكز الخطة على خمسة أبعاد تنفيذية: السياسات العامة. الموازنات المستجيبة. التدريب والتوعية. الرصد والتقييم. التدقيق والمتابعة. تركز الخطة الوطنية على: * تنمية المهارات والوظائف المستقبلية تمكين المرأة في قطاعات مبتكرة مثل: الذكاء الاصطناعي. التكنولوجيا المالية. الطاقة المتجددة. الاقتصاد الرقمي. * تعزيز ريادة الأعمال النسائية من خلال: التدريب المهني. الحاضنات والمسرعات. تسهيل الوصول إلى التمويل. * تحسين التشريعات والبيئة المؤسسية لمواءمة سياسات العمل مع احتياجات المرأة، لاسيما في: العمل المرن. التوازن بين العمل والأسرة. دعم الحماية الاجتماعية. من أبرز المبادرات الداعمة للتمكين: منصة المرأة البحرينية الإلكترونية - تسجل القيادات النسائية وتبرز قصص نجاحها عبر مختلف المجالات. مبادرة “امتياز” لريادة الأعمال - تهدف إلى دعم رائدات الأعمال الشابات وتوسيع فرصهن في السوق. مركز ريادات بالشراكة مع بنك البحرين للتنمية - منصة متخصصة لتعزيز قدرات المرأة في الأعمال والاستثمار. قراءة اقتصادية للخطة: تعكس الخطة الوطنية 2025 - 2026 تحولا مهما من سياسات تمكين قائمة على الإدماج الوظيفي إلى سياسات تمكين قائمة على الإنتاجية والدخل والاستدامة، إلا أن نجاحها يظل مرهونا بمدى: التزام القطاع الخاص. تكامل السياسات بين الجهات الحكومية. وجود مؤشرات قياس واضحة للأثر الاقتصادي. الاتحاد النسائي البحريني والجمعيات النسائية إلى جانب الدور الرسمي، يلعب الاتحاد النسائي البحريني والجمعيات النسائية دورا مكملا بالغ الأهمية، خصوصا على مستوى التمكين القاعدي والمجتمعي، حيث يتركز عملها في: تمكين النساء في: - الأسر محدودة الدخل. - المناطق الأقل حظا. - فئات النساء المعيلات. نشر الوعي بالحقوق الاقتصادية: - الحق في العمل. - الحق في الأجر العادل. - الحق في الحماية الاجتماعية. تدريب النساء على: - المهارات الحياتية. - المهارات المهنية. - إدارة المشاريع الصغيرة. وقد أسهمت الجمعيات النسائية في: دعم المشاريع المنزلية. تشجيع ريادة الأعمال الصغيرة. توفير منصات تسويق للمنتجات النسائية. لكن التحدي الأساسي يكمن في أن غالبية مبادرات الجمعيات: ذات طابع اجتماعي أو خيري. محدودة الموارد. محدودية الدعم الرسمي. ضعف التنسيق مع الأجهزة الاقتصادية وسوق العمل الرسمي التقييم التكاملي للأدوار المؤسسية المجلس الأعلى للمرأة الجهة المرجعية في وضع السياسات الوطنية لتمكين المرأة. إعداد الخطط الوطنية وربطها برؤية البحرين 2030. متابعة إدماج تكافؤ الفرص في السياسات الحكومية. التحدي: تحويل الأطر الاستراتيجية إلى تطبيق عملي في سوق العمل والقطاع الخاص. الجهات الحكومية الدور التشريعي والتنظيمي لسوق العمل. تنفيذ برامج التوظيف والحماية الاجتماعية. تهيئة بيئة العمل الداعمة للمرأة. التحدي: الحاجة للتنسيق الأفقي بين الجهات وتداخل المبادرات. تمكين وهيئة تنظيم سوق العمل تمكين: التدريب، دعم الأجور، وتمويل ريادة الأعمال النسائية. هيئة سوق العمل: تنظيم التوظيف وسياسات التوطين. التحدي: ربط الدعم المؤقت بالاستقرار الوظيفي والترقي المهني. (اقرأ الموضوع كاملا بالموقع الإلكتروني) القطاع الخاص الجهة المشغّلة الرئيسة للمرأة خارج القطاع الحكومي. توفير فرص العمل، التدرج الوظيفي، والمناصب القيادية. تطبيق سياسات بيئة العمل المرنة والمساواة في الأجور. التحدي: تغليب الاعتبارات الكلفوية، محدودية الالتزام الطوعي بتكافؤ الفرص، وضعف الاستثمار في القيادات النسائية. الاتحاد النسائي والجمعيات النسائية تمكين قاعدي ووصول مجتمعي مباشر. دعم المشاريع الصغيرة ورفع الوعي الاقتصادي. التحدي: محدودية الموارد وضعف الدعم الرسمي والتنسيق مع الأجهزة الرسمية. التقييم العام للتكامل المؤسسي تنوع مؤسسي واضح وتعدد مبادرات. تكامل جزئي تركيز على المخرجات أكثر من الأثر طويل الأجل. التحدي: الحاجة إلى حوكمة وطنية موحدة تُشرك القطاع الخاص كشريك تنموي أساسي. تجارب عالمية رائدة السويد مشاركة المرأة في سوق العمل: أكثر من 70 % فجوة الأجور: أقل من 10 % السياسات: إجازات والدية مشتركة حضانات مدعومة حكوميا عمل مرن إلزامي * النتيجة أعلى معدلات التوظيف النسائي توازن أسري - اقتصادي نمو مستدام كندا مشاركة المرأة: 61 % إلزام الشركات الكبرى: بالإفصاح عن فجوة الأجور دعم ريادة الأعمال النسائية * النتيجة تقلص فجوة الأجور ارتفاع النساء في المناصب التنفيذية سنغافورة تركيز على: تعليم المرأة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات التدريب المستمر مشاركة المرأة: 60 % * النتيجة اندماج المرأة في الاقتصاد عالي القيمة إنتاجية مرتفعة التحديات على الرغم من التقدم الكبير، تبقى هناك تحديات أمام التمكين الاقتصادي الكامل: * فجوة المشاركة بين القطاع الحكومي والخاص: مشاركة المرأة في القطاع الخاص لا تزال أقل بكثير منها في القطاع الحكومي. * الحاجة إلى بيانات مفصلة عن فجوة الأجور: وذلك لتحديد السياسات الإصلاحية بشكل دقيق. * الاستدامة في بيئات العمل: خاصة في الوظائف النوعية والقيادية. * التحيزات الاجتماعية والثقافية: التي تؤثر على اختيار المهن والتقدم الوظيفي والأمن الاجتماعي لللمرأة. توصيات استراتيجية 1. تعزيز مشاركة المرأة في القطاع الخاص من خلال حوافز للشركات التي تزيد نسب التمثيل النسائي. 2. تعزيز الشفافية في بيانات الأجور لنتمكن من وضع سياسات أكثر عدالة ودقة. 3. توسيع دعم ريادة الأعمال من خلال برامج مختصة بالتمويل والتوجيه المهني. 4. تحسين بيئة العمل المرن وتوفير خدمات دعم مثل حضانات مؤسسات العمل. 5. تطوير قيادات نسائية اقتصادية من خلال برامج تدريب متقدمة وورش عمل للإدارة العليا. 6. خلق بيئة اجتماعية آمنة للمرأة من خلال تطوير التشريعات الحمائية للمرأة العاملة ووضعها الأسري والاجتماعي. خاتمة لقد حققت البحرين إنجازات مهمة في تمكين المرأة اقتصاديا واجتماعيا. ومع ذلك، فإن المرحلة المقبلة تتطلب نقلة من تمكين الكمية إلى تمكين منتج ومستدام؛ من أجل زيادة مساهمة المرأة في الاقتصاد الوطني، ورفع مستويات العدالة الاجتماعية، وتعزيز التنافسية الاقتصادية.