بنوك الصين تتفوق على نظيرتها العالمية كأكبر ممول لدول الخليج

تشهد منطقة الخليج توسعاً كبيراً في التمويل الصيني، حيث قفزت قروض البنوك الصينية إلى 15.7 مليار دولار في 2025، مع تركيز على السعودية والإمارات.

الصين أصبحت الشريك التجاري الأكبر للخليج بتبادل تجاري بلغ 257 مليار دولار في 2024، مع توجه متزايد للتمويل باليوان الصيني وتعزيز التعاون المالي والاستثماري بين الجانبين.

 تبرز منطقة الخليج سريعاً كجزء من الرهان المالي الكبير التالي للصين، إذ تتحول سنوات من المساعي الدبلوماسية الآن إلى تدفقات نقدية ملموسة.

وسجلت قروض البنوك الصينية للمنطقة قفزة قاربت ثلاثة أضعاف، لتصل إلى مستوى قياسي بلغ 15.7 مليار دولار في 2025، باستثناء القروض الثنائية، مع توجيه النصيب الأكبر إلى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وفق بيانات جمعتها “بلومبرغ”.

في المقابل، لم تتجاوز القروض التي قدمتها بنوك الولايات المتحدة وبريطانيا ومنطقة اليورو مجتمعة نحو 4.6 مليار دولار للخليج خلال العام الماضي، بحسب البيانات.

ولا تتوقف شهية الصين عند الإقراض فقط، بل امتدت إلى ترتيب عمليات اقتراض. نجحت السعودية خلال العام الجاري في جمع 11.5 مليار دولار عبر طرح سندات مقومة بالدولار، شاركت بنوك صينية كبرى في إدارتها بصفتها من مديري الاكتتاب، كما نقلت “الشرق بلومبرغ”

الصين والخليج.. علاقات مالية متزايدة

في مؤشر آخر على تعمق العلاقات، أجرى رئيس مجلس إدارة أحد البنوك الصينية الكبرى زيارة نادرة إلى الرياض ودبي وأبوظبي العام الماضي، بينما سافر مسؤول تنفيذي رفيع آخر إلى منطقة الخليج ثلاث مرات خلال 2025، وهي سابقة في مسيرته المهنية، بحسب أشخاص مطلعين على تلك الرحلات. وكان الهدف واحداً وهو اغتنام فرص التمويل التي يغذيها اتساع العلاقات وتزايد تدفقات رؤوس الأموال بين الصين والشرق الأوسط.

ويعكس هذا التعميق في العلاقات اعتبارات جيوسياسية واقتصادية على حد سواء. فمع احتدام المنافسة مع الولايات المتحدة، تنوع البنوك الصينية انكشافها بعيداً عن الأسواق الأميركية، بالتوازي مع دعم الشركات المحلية التي توسع أنشطتها في منطقة الخليج الغنية بالنفط والثروات.

وبالنسبة إلى السعودية، من شأن هذه السيولة أن تسهم في تمويل خطة التحول الاقتصادي المقدرة بنحو تريليوني دولار، في وقت دفعت فيه أسعار النفط المنخفضة موازنة المملكة نحو تسجيل عجز.

على الجهة الأخرى، توجه الإمارات هذه الأموال إلى الاستثمار في البنية التحتية، ضمن مساعيها لترسيخ مكانتها كمركز عالمي للذكاء الاصطناعي.

مصالح متبادلة بين الصين والخليج

قال فاسوكي شاستري، كبير المستشارين المقيم في دبي لدى شركة “غيتهاوس أدفايزوري بارتنرز” (Gatehouse Advisory Partners) المتخصصة في المخاطر الجيوسياسية: “إنه تحالف قائم على تلاقي المصالح. فدول الخليج حريصة على الاستفادة من التجربة الصينية، وفي الوقت نفسه تسعى إلى الوصول إلى رؤوس الأموال”. 

مع ذلك، يُرجح أن تظل السعودية والإمارات حذرتين حيال فتح القطاعات الحساسة، لا سيما الذكاء الاصطناعي والدفاع، أمام البنوك الصينية، خشية توتر العلاقات مع واشنطن التي مكنتهما من إحراز تقدم على هذين الجبهتين. ففي العام الماضي، وافقت الولايات المتحدة على بيع رقائق متقدمة لأشباه موصلات الذكاء الاصطناعي إلى البلدين، دعماً لطموحاتهما التقنية، كما أقرت صفقة أسلحة للسعودية تُقدر بنحو 3.5 مليار دولار.

في الوقت نفسه، تُعد الإمارات والسعودية من بين الدول التي تعهدت باستثمار مئات المليارات من الدولارات في الولايات المتحدة، وهي التزامات تحظى بمتابعة بشأن آفاق تنفيذها.

الشراكة التجارية الخليجية الصينية

تعزز الصين بصمتها المالية في ظل اضطراب التجارة العالمية، إذ تعيد حرب الرسوم الجمركية التي أشعلها الرئيس الأميركي دونالد ترمب تشكيل المشهد التجاري. فبالتوازي مع زيادة أكبر دولة صناعية في العالم صادراتها إلى الخليج، كثفت أيضاً مشترياتها من النفط عقب خفض السعودية الأسعار إلى أدنى مستوياتها في خمسة أعوام.

وفي عام 2024، تجاوزت الصين الغرب لتصبح الشريك التجاري الأكبر لدول الخليج، مع بلوغ التبادل التجاري 257 مليار دولار، وهو إنجاز تاريخي، وفق تقرير صدر في نوفمبر عن مركز الأبحاث “آسيا هاوس” (Asia House).

وبحسب التقرير، يُتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى 375 مليار دولار في 2028.

تمويل مقوم باليوان الصيني

يتجه المقترضون في دول الخليج بوتيرة متزايدة إلى الاعتماد على التمويل المقوم باليوان الصيني بهدف تسهيل حركة التجارة. ففي العام الماضي، حصلت حكومة إحدى إمارات دولة الإمارات على أول قرض مُجمع على الإطلاق بقيمة 1.78 مليار يوان (255 مليون دولار)، وفق أشخاص مطلعين على الأمر.

وفي السياق نفسه، يدرس “البنك الأهلي السعودي” و”شركة بترول أبوظبي الوطنية” (أدنوك) إصدار ما يُعرف بسندات “ديم سم” (dim sum)، بينما يخطط “الصندوق العربي للطاقة” لطرح “سندات الباندا” بقيمة تصل إلى 10 مليارات يوان.

اعرف المزيد: الصندوق العربي للطاقة يخطط لإصدار سندات “باندا” صينية بـ1.4 مليار دولار

وتُسعر كل من سندات “ديم سم” و”الباندا” باليوان الصيني، إذ تُطرح الأولى خارج الصين أمام المستثمرين الدوليين، في حين تُصدر الثانية داخل الصين من قبل جهات أجنبية، مع تركيز أساسي على السوق المحلية.

هذه التطورات دفعت إلى تكرار زيارات مصرفيين صينيين إلى المنطقة بهدف تعزيز التعاون مع نظرائهم الإقليميين، بحسب ما أفاد به ما لا يقل عن ستة مصرفيين تحدثوا إلى “بلومبرغ نيوز” شريطة عدم الكشف عن هوياتهم. وأوضحوا أن هذه الزيارات تحفزها أيضاً الحاجة إلى توسيع الأعمال في الخارج لتخفيف الضغوط الداخلية، في ظل إلقاء أزمة عقارية مطولة بظلالها على القطاع المالي الصيني.

في الوقت نفسه، يتبع المقرضون الصينيون عملاءهم إلى الخليج. إذ تعتزم شركات الطاقة الشمسية مثل “جينكو سولار” (Jinko Solar) و”تي سي إل تشونغ هوان رينيوابل إنرجي تكنولوجي” (TCL Zhonghuan Renewable Energy Technology) إقامة مصانع في السعودية، مع توقعات بتوالي مشروعات مماثلة، ما يتيح المجال أمام طلب متزايد على التمويل.

قال سايمون ويليامز، كبير الاقتصاديين لمنطقة أوروبا الوسطى والشرقية والشرق الأوسط وأفريقيا لدى “إتش إس بي سي هولدينغز” (HSBC Holdings)، إن تنامي العلاقات التجارية بين الصين ودول الخليج، إلى جانب تزايد إقدام الشركات الصينية على إنشاء مصانع في المنطقة، “يمنح هذه الروابط مضموناً أكبر”.

جاذبية ائتمانية مرتفعة للمقترضين الخليجيين

في هذا الإطار، يوفر المقترضون في دول الخليج ما تحتاجه البنوك الصينية: صفقات بدرجة استثمارية ومخاطر منخفضة نسبياً، مقابل عوائد أعلى مقارنة بالقروض الآسيوية المماثلة.

ومن بين أحدث الأمثلة، أبرم “بنك الرياض” (Riyad Bank) قرضاً لأجل خمس سنوات بهامش 90 نقطة أساس فوق معدل التمويل الآمن لليلة واحدة (SOFR). وفي المقابل، تدفع شركة “شينهان كارد” (Shinhan Card) في كوريا الجنوبية 80 نقطة أساس فقط على تسهيلات ائتمانية مماثلة لمدة خمس سنوات.

ويحمل بنك الرياض تصنيف (A1) من “موديز ريتينغز” (Moody’s Ratings) وتصنيف (A) من “إس آند بي غلوبال ريتينغز” (S&P Global Ratings)، فيما تُصنف “شينهان كارد” عند (A2) و(A-) على التوالي.