رق رقمي.. الإنسان عالة على الآلة

| ياسر سليم

بين الحين والآخر، يقذف “إيلون ماسك” حجرًا ثقيلًا في مياه البشرية الراكدة، لا ليحركها فحسب، بل ليحدث دواماتٍ تبتلع اليقين الاقتصادي الذي استندت إليه الحضارة لقرون.  تصريحه الأخير حول “زوال الحاجة للادخار” لأن كل شيء سيكون متاحًا بالمجان، ليس مجرد استشراف تكنولوجي، بل هو إعلان عن “قيامة اقتصادية” تلوح في الأفق، تتجاوز في خطورتها أعتى الأزمات المالية. فلسفة الندرة.. من أين نستمد قيمتنا؟ منذ فجر التاريخ، قام العقد الاجتماعي والاقتصادي على مفهوم “الندرة”، فنحن نعمل لأن الموارد محدودة، ونبتكر لأن الحاجة أم الاختراع. القيمة في جوهرها هي “جهد بشري مُكثف” يُبذل للحصول على ما هو قليل. لكن “ماسك” يبشرنا بعالم “الوفرة المطلقة”؛ حيث الذكاء الاصطناعي يفكر، والروبوتات تنتج، والتكلفة الحدية تقترب من الصفر. ظاهريًا، تبدو هذه نبوءة “فردوسية”، لكنها في العمق تحمل بذور فناء “المعنى” الإنساني.  إن تجريد الإنسان من دوره كمُنتج، وتحويله إلى “مستهلك سلبي” يتلقى هبات التكنولوجيا دون عناء، هو تجريد له من أخص خصائصه: الرسالية.  فإذا تساوت القيمة بين الجهد والراحة، وبين الكسل والابتكار، فإن الهيكل النفسي للبشر سيصاب بهشاشة بنيوية، تنتهي بالعزلة والعدمية. رق رقمي بعيدًا عن المثالية الحالمة، يبرز السؤال الوجودي: من يملك مفاتيح هذا الفردوس؟ إن الوفرة التي يتحدث عنها “ماسك” ليست مشاعًا طبيعيًا كالهواء، بل هي وفرة “مصنوعة” تسيطر عليها خوارزميات مملوكة لقلة من أباطرة التكنولوجيا.  نحن هنا لا نتحدث عن رأسمالية تقليدية تتنافس على السوق، بل عن “إقطاعية رقمية” جديدة، حيث تصبح مصادر الطاقة، ومراكز البيانات، وسلاسل الإمداد الروبوتية ملكًا لمن يكتب الكود. هذا السيناريو ينقلنا من “استعباد الحاجة” إلى “استعباد الوفرة”.  فالحصول على “كل شيء مجانًا” ليس هبة، بل هو عقد إذعان غير مكتوب، تكون فيه بياناتك، وسلوكك، وولاؤك هي الثمن الحقيقي.  إن تحالفات القوة العالمية، والتقاطعات المريبة بين المال والسياسة، تشي بأن هذا العالم الجديد لن يوزع الثروة بالعدل، بل سيعيد تعريف “الطبقية” لتصبح بين “ملاك الآلة” ومن هم “عالة الآلة”. المخاطر السلوكية.. حين يغيب التحدي تكمن خطورة رؤية “ماسك” في أنها تنظر للإنسان ككائن “ميكانيكي” يشبع بالخبز والترفيه.  لكن سيكولوجيا الإنسان تتغذى على التحدي والمقاومة.  عندما تختفي التحديات المادية، يبدأ التآكل الأخلاقي والاجتماعي.  إن ما نراه اليوم من تفكيك لمؤسسة الأسرة، وصعود للنزعات الفردية المتطرفة، وزهد في الأدوار الطبيعية (كالأبوة والأمومة)، ما هو إلا إرهاصات لهذا العالم الذي فقد بوصلة “الغاية”.

مخاض حضاري إننا نقف أمام مفترق طرق حضاري؛ فإما أن تُستخدم هذه الوفرة لتحرير الإنسان ليتفرغ للإبداع الروحي والفكري، وإما أن تتحول إلى فخٍّ من الرفاهية القاتلة التي تميت فيه روح المبادرة.  كلام “ماسك” ليس نبوءة فحسب، بل هو إنذار بضرورة إعادة صياغة تعريفنا للإنسان قبل أن تبتلعنا الآلة. فهل تعتقد، أيها القارئ العزيز، أن الذكاء الاصطناعي سيخلق لنا “يوتوبيا” حقيقية، أم إنه سيسلبنا “المعنى” الذي عشنا من أجله آلاف السنين؟ *كاتب‭ ‬مصري‭ ‬وخبير‭ ‬بالاقتصاد‭ ‬الرقمي