سلم التصعيد في “الكولوسيوم” الدولي
| كمال الذيب
سلم التصعيد في العلاقات الدولية تم اختصاره بشكل مرعب، نتيجة إلغاء أو تحييد الدبلوماسية، ما يؤشر إلى إمكانية اندلاع الحروب بسرعة، وحتى من دون مقدمات، ربما خلال ساعات أو دقائق، قد تبدأ الحرب إثر مكالمة هاتفية أو بعد تغريدة من عشر كلمات، لتندلع الحرب فتنشر الخراب المبين. التغريدات تسبق القصف والسحق والسحل، وخطف رؤساء الدول وسوقهم إلى مسرح الشارع الكبير في مدينة تنتمي ظاهريا إلى العصر، ولكنها تتحول إلى “كولوسيوم”، إلى حلبة الموت الرومانية.. يُؤتى فيها بالبشر إلى داخل الملعب في قلب مدينة روما لتبدأ وقائع المباراة بين الأسد الجائع والأسير المنهك، أو بين الأسرى فيما بينهم، مباراة دموية لقتل البشر وسط هتافات تحض اللاعبين على إزهاق الأرواح من دون رحمة.. هكذا أصبحت الأمور تقريبا في الكولوسيوم الدولي الجديد. القانون الدولي باعتباره مجموعة القواعد القانونية التي تحكم العلاقات بين الدول وجميع القواعد والاتفاقيات والمنظمات والهيئات ذات العلاقة يحاول أن لا تموت فلا يستطيع. الأمم المتحدة انتهت عمليا وتحولت إلى مجرد جهاز بيروقراطي ثقيل وغير فاعل، وربما إلى مجرد فضاء للثرثرة والتنفيس عن المشاعر، وحلت محلها التهديدات والقاذفات والصواريخ والجواسيس. عالم جديد تماما لم تعهده البشرية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.. عالم من دون سلم التدرج.. من دون دبلوماسية تقريبا. الدبلوماسية باعتبارها مرادفة للباقة والكياسة التي تتحلى بها الدول في علاقاتها الخارجية انتهت أو تراجعت، وحلت محلها لغة التهديد والوعيد الفجة: (نأخذ ما نريد أخذه، نحن القوة الغاشمة - القانون الدولي سلم عليه..) تراجعت اللغة الدبلوماسية التي اعتادها العالم منذ عهد اليونان والرومان، وحلت محلها لغة الضرب والقصف والاحتلال والغزو والخطف، وتحويل الرؤساء المنتخبين إلى مجرد مجرمي مخدرات. حتى أوروبا الموحدة التي بنت مشروعها على دبلوماسية (السلام والوحدة والازدهار والتعاون والحرية)، تتحرك اليوم بدبلوماسية العقوبات والحملات الدعائية التي تحاول من خلالها تفكيك الدول سياسياً، باستخدام ما بات يعرف بـ “دبلوماسية التفكيك”، ودفع الدول إلى الاختيار بين التنازل أو الانهيار، فضلا عن توجهاتها الجديدة نحو قمع الحريات والتضييق على الرأي المخالف لتوجهات الاتحاد الأوروبي والناتو معا. إنها لحظة فارقة في التاريخ الإنساني المعاصر.
كاتب وإعلامي بحريني