القطاع الخاص في البحرين.. كيف يصبح شريكا تنمويا؟
يُنظر إلى القطاع الخاص في البحرين بوصفه أحد أعمدة الاقتصاد الوطني وشريكا أساسيا في تحقيق النمو والتنويع الاقتصادي. غير أن السؤال الجوهري لم يعد متعلقا بحجم هذا القطاع أو عدد منشآته، بل بطبيعة الدور الذي يؤديه فعليا في بنية الاقتصاد. هذا التقرير يحاول تفكيك موقع القطاع الخاص البحريني ضمن النموذج الاقتصادي القائم، وتحليل مساهمته الفعلية، ورسم الطريق للتغلب على التحديات البنيوية التي تحد من تحوله إلى قاطرة تنموية حقيقية.
أولًا: لمحة تاريخية عن القطاع الخاص نشأ القطاع الخاص في البحرين تاريخيًا في ظل اقتصاد تجاري وخدمي مرتبط بالميناء، والوساطة التجارية، والأنشطة المالية المبكرة. تطور القطاع الخاص في بيئة تقوم على الدولة الراعية التي توفر البنية التحتية، والدعم، والحماية، مقابل قطاع خاص ينشط في التجارة، والعقار، والخدمات. يتسم القطاع الخاص البحريني بتركيز واضح للملكية في عدد محدود من: - الشركات العائلية الكبرى - التكتلات التجارية - الشركات الخدمية والمالية هذه البنية أدت إلى تركز الأنشطة في مجالات منخفضة المخاطر وسريعة العائد.
ثانيًا: دور القطاع الخاص في التنمية الاقتصادية 1. مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي: يلعب القطاع الخاص دورا رئيسا في العديد من الأنشطة غير النفطية، والتي تمثل بمجموعها 85 % من الناتج المحلي الإجمالي دون أن نغفل أن الحكومة تمتلك حصص كبيرة في ملكية شركات هذه الأنشطة مثل البنوك والاتصالات و “البا”، ما قد لا يعطي صورة دقيقة عن حجم مساهمة القطاع الخاص في هذه الأنشطة. واستمرت الأنشطة المالية وأنشطة التأمين كأكبر مساهم في الناتج المحلي الإجمالي، إذ بلغت نسبة مساهمتها 17.8 %. وجاء نشاط الصناعة التحويلية في المرتبة الثانية بنسبة 16.1 % تلاه نشاط الإدارة العامة بنسبة 8.8 % ثم نشاط التشييد بنسبة 6.8 %.
2. مساهمة القطاع الخاص في العمالة: بلغ عدد العمالة في القطاع الخاص في الربع الثالث من العام 2025 ما مجموعة 578,836 عاملا وبلغ عدد البحرينيين 105,503 بينما بلغ غير البحرينيين 473,323 عاملا. وبالتالي يمثل البحرينيون 18 % فقط من مجموع العمالة في القطاع الخاص. هذه النسبة تكشف عن خلل هيكلي في سوق العمل، حيث طالبت رؤية البحرين 2030 بتغيير النموذج الاقتصادي القائم على رخص تكلفة العمالة الأجنبية والتحول إلى نموذج اقتصادي قائم على الأنشطة المولدة للقيمة المضافة العالية التي تخلق وظائف مجزية للمواطنين. وبالرغم من رفع تكلفة العامل الأجنبي، وبالرغم من تدخل تمكين لدعم رواتب العامل البحريني، إلا أن الاعتماد الرئيس للقطاع الخاص ما يزال على العمالة الأجنبية نظرا لبقاء الأنشطة الاقتصادية المنخفضة القيمة المضافة هي المسيطرة على الاقتصاد. ومن أجل توضيح نوعية الوظائف الي يولدها القطاع الخاص ندرج فيما يلي توزيع البحرينيين وغير البحرينيين على الوظائف كما هو في نهاية 2023 بحسب بيانات بوابة البيانات المفتوحة:
العاملون البحرينيون في أهم الأنشطة الاقتصادية
العاملين غير البحرينيين في أهم الأنشطة الاقتصادية
ويلاحظ من الجدولين طبيعة الوظائف التي يوفرها القطاع الخاص للبحرينيين والتي تتركز بنسبة 20 % في محلات تجارة الجملة والتجزئة مثل المجمعات ومراكز التسوق والمراكز التجارية، وهي وظائف ذات قيمة مضافة ورواتب محدودة، يليها الصناعات التحويلية وهي تشمل الشركات الكبيرة مثل البا والبتروكيماويات والشركات الصناعية المتوسطة. ثم الإنشاءات. كما يلعب قطاع الاتصالات دور مهم في التوظيف مقابل نسبة متواضعة في نشاط الفنادق والمطاعم نتيجة ضعف إقبال البحرينيين عليه. في المقابل، يلاحظ أن نشاطي الإنشاءات والتجارة وهما من القطاعات ذات الوظائف منخفضة التكلفة يحوزان على تقريبا نصف العمالة الأجنبية. ثم الصناعات التحويلية والنقل والتخزين. كما تبلغ نسبة وجودهم في قطاع الفنادق والمطاعم 5 %. 3. مساهمة القطاع الخاص في الصادرات: يشكل القطاع الخاص غالبية الصادرات غير النفطية، خصوصا الصناعات التحويلية والخدمات اللوجستية. وأهم الصادرات غير النفطية هي: - خامات الحديد ومركزاتها (المكتلة وغير المكتلة): تحتل مرتبة متقدمة ضمن الصادرات غير النفطية. - سبائك الألمنيوم (خام وغير مخلوط): تعتبر البحرين من كبار مصدري الألمنيوم عالميًا. - أسلاك الألمنيوم: منتج تحويلي رئيس في قطاع المعادن. - المواد الكيميائية العضوية (مثل الميثانول): تساهم بشكل ملحوظ في الصادرات الصناعية. - الذهب (سبائك ومشغولات): سلعة مهمة في التصدير وإعادة التصدير. - اللدائن والمصنوعات البلاستيكية: قطاع متنامٍ في الصادرات البحرينية. وكما ذكرنا سابقا، العديد من الشركات العاملة ي هذه القطاعات تشارك الحكومة في ملكيتها. 4. مساهمة القطاع الخاص في الاستثمار الخاص: سُجِّلت بيانات التكوين الرأسمالي الثابت للقطاع الخاص عند 26.587 % من الناتج المحلي في العام 2024، وهو ما يمثل ارتفاعًا مقارنة بالرقم السابق البالغ 24.966 % في العام 2023. يشمل الاستثمار الخاص الإنفاق الذي يقوم به القطاع الخاص (بما في ذلك المؤسسات الخاصة غير الربحية) على الإضافات إلى أصوله الثابتة المحلية. ويشمل التكوين الرأسمالي الثابت الإجمالي الاستحواذات مطروحًا منها التصرفات في الأصول الثابتة بالفترة المحاسبية، بما في ذلك بعض النفقات المحددة على الخدمات التي تضيف قيمة إلى الأصول غير المنتجة. 5. القروض المصرفية للقطاع الخاص: بلغت قيمة القروض المصرفية الممنوحة للقطاع الخاص 5.1 مليار دينار في أكتوبر 2025، وهي مصدر رئيس لتمويل أنشطة القطاع الخاص. وبنفس الوقت يعتبر القطاع الخاص المحرك الرئيس للنشاط الإقراضي للبنوك المحلية، ومن ثم لجميع الأنشطة الاقتصادية غير النفطية. ويتصدر قطاع التصنيع قائمة الأنشطة المقترضة من القطاع الخاص بنحو مليار دينار يليه الأنشطة العقارية 735 مليون دينار ثم التشييد 707 ملايين دينار ثم التجارة 618 مليون دينار. 6. المؤسسات الصغيرة والمتوسطة: يعكس حجم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تمثل نحو 90 % من المؤسسات في البحرين أهمية الدور الحيوي للقطاع الخاص. تلعب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة (SMEs) دورًا محوريًا في دعم الاقتصاد الوطني عبر جوانب عدة: - التنويع الاقتصادي. - خلق فرص العمل - الابتكار والمنافسة - دعم سلاسل الإمداد ثالثا: دور غرفة تجارة وصناعة البحرين منذ تأسيسها في العام 1910، أدت غرفة تجارة وصناعة البحرين، دورًا بارزًا في تشكيل الاقتصاد الوطني للبحرين ورعاية القطاع الخاص. تساهم الغرفة في تنمية الاقتصاد الوطني من خلال: - التشبيك مع الجهات الحكومية والشركاء الدوليين، ودعم الترويج التجاري والاستثماري. - الدفاع عن مصالح التجار ورجال الاعمال والمستثمرين - المساهمة في التشريعات والأنظمة المتعلقة بتحسين بيئة الأعمال - التركيز على ريادة الأعمال والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة من خلال مبادرات عديدة مثل تأسيس مركز المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ومنتدى «باب البحرين 2025» ومركز تسوية المنازعات وبرامج تدريبية وتنموية. - فتح قنوات تواصل مع الشركات: توفر الغرفة آليات للعضوية ورفع الشكاوى، مما يتيح للتجار التواصل وتقديم مطالبات رسمية. لكن يلاحظ: - قلة البيانات الموضوعية والإحصاءات المنشورة بشأن تأثير برامج الغرفة المباشرةً على الناتج المحلي أو معدلات نمو الشركات، خصوصًا صغار التجار. - كثير من الأدوات العملية لدعم القطاع الخاص (برامج تمويل، ضمانات، برامج تسويق دولي) لا تظهر في نشاطات الغرفة بشكل واضح. - لا يوجد غطاء قانوني للغرفة في الدفاع القانوني الجماعي أو وضع آليات ضمان للدائنين أو حماية صغار الموردين مقابل الشركات الكبيرة. - لا توجد مؤشرات منشورة عن مدى رضا أعضاء الغرفة، خصوصا التجار الصغار ورواد الأعمال، عن الخدمات المقدمة. رابعا: تقييم دور القطاع الخاص ما يزال دور القطاع الخاص يعتمد بشكل رئيس على الحكومة من خلال: - الاعتماد الواسع على العقود الحكومية - الاستفادة من الدعم المباشر وغير المباشر - التأثر المباشر بالإنفاق العام والسياسات المالية في أوقات التوسع المالي، يزدهر القطاع الخاص، وفي أوقات الضبط المالي، يتباطأ نشاطه، ما يعكس تبعية دورية أكثر من شراكة استراتيجية قائمة على تقاسم المخاطر والمكاسب. كذلك ما يزال التقييم العام لمساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد وتوظيف البحرينيين تعتبر متواضعة، إذ تتركز أنشطته في قطاعات ذات قيمة مضافة (من حيث التنويع الإنتاجي وتوليد الوظائف المجزية) محدودة، مثل التجارة والإنشاءات والعقارات والسياحة والخدمات المرتبطة بها. ويترتب على هذا النمط من التمركز ضعف في خلق وظائف نوعية ذات أجور مرتفعة، حيث تعتمد هذه القطاعات بشكل كبير على العمالة الوافدة منخفضة الكلفة، ما يقلل من الأثر التنموي الحقيقي للقطاع الخاص على الدخل الوطني والتشغيل، باستثناء قطاعات محدودة كالمصارف والاتصالات وبعض الأنشطة التكنولوجية. كما لدى القطاع الخاص ميل واضح لتجنّب المخاطر وتفضيل الأنشطة المضمونة قصيرة الأجل على الاستثمار طويل الأمد في الابتكار. على القطاع الخاص التحول ليصبح شريكًا تنمويًا، لا مجرد مستفيد من بيئة الأعمال أو دعم الدولة، ويشمل دوره المطلوب: - توجيه جزء من رؤوس الأموال نحو الصناعات والخدمات التقنية والمنتجة ذات القيمة المضافة العالية، حتى وإن كانت العوائد أطول أو المخاطر أكبر. - الالتزام بتوظيف المواطنين توظيفًا نوعيًا. - اعتبار المواطن جزءًا من الإنتاج وليس مجرد عبء تنظيمي. - توفير التدريب والتطوير المهني وربط الأجور بالإنتاجية والكفاءة. - تعزيز نقل المعرفة وبناء المهارات لضمان استدامة الإنتاج. - التركيز على قطاعات استراتيجية مثل الصناعات الدوائية، التصنيع الغذائي المتقدم، الصناعات التقنية والخدمات المالية المتقدمة. الدور المطلوب من الدولة لتحقيق تحول القطاع الخاص لكي يتحول القطاع الخاص إلى شريك منتج وفاعل، لا يكفي تحفيزه أو تسهيل أعماله، بل يجب على الدولة لعب دور موجّه واستراتيجي يشمل: - تحديد القطاعات ذات الأولوية الوطنية التي تسهم في تحويل الاقتصاد إلى اقتصاد منتج. - توجيه الاستثمار والتمويل والبنية التحتية ومنظومة الحوافز نحو هذه القطاعات لضمان تركيز الموارد وتحقيق أثر ملموس. - ربط الحوافز بالنتائج الاقتصادية الفعلية، مثل زيادة الإنتاج، رفع القيمة المضافة، خلق فرص العمل النوعية، وتعزيز التصدير. - توفير تمويل تنموي طويل الأجل. - تقديم قروض وشراكات رأسمالية صبورة لتشجيع دخول القطاع الخاص في أنشطة إنتاجية ذات قيمة مضافة. - تحمل الدولة جزءًا من مخاطر المشاريع الجديدة لضمان استدامة الاستثمار. - إصلاح سوق العمل من خلال وضع برامج ملزمة للبحرنة ووضع سقف على العمالة الرخيصة - ربط تكلفة العمل بالإنتاجية وتشجيع الاستثمار في التكنولوجيا والمهارات العالية للمواطنين.