الزراعة تظل من أفضل المهن

السيد باقر.. من صبي في الحقول براتب 10 دنانير إلى شاهد على تاريخ الزراعة

يشكل المزارع البحريني أحد أعمدة الهوية المحلية، وحارسا لذاكرة الأرض التي ارتبط بها جيلا بعد جيل، إذ ظل رغم تحديات الزمن وتقلبات المناخ متمسكا بمهنته، يزرع بجهده وصبره قيم العطاء والاستمرارية، ويجسد بعلاقته الوثيقة مع التربة والماء حكاية كفاح يومي صنعت جزءا أصيلا من تاريخ البحرين الزراعي. ‎وفي هذا الصدد، يروي المزارع السيد باقر لـ “البلاد” قصته مع مهنة الزراعة، مؤكدا أنه بدأ العمل فيها منذ سن مبكرة (8 سنوات) صبيا، مشيرا في السياق ذاته بأنه توارث هذه المهنة أبا عن جد. ‎واستعاد ذكرياته الأولى في العمل الزراعي، موضحا أنه كان يعمل براتب عشرة دنانير في الشهر، حيث كانوا يأخذونه من منطقة إلى أخرى لسقي المزروعات، مشيرا إلى أنه عاش لمدة سنة كاملة في منطقة غير منطقته الأصلية، ولم يكن يعود إلى منزله سوى يوم أو يومين في الشهر، حيث يُسلَم الراتب لوالده ثم يعود للعمل مجددا، حتى وصل راتبه لاحقا إلى 16 دينارا في الشهر. ‎وأضاف أن ظروف تلك الفترة جعلت أصحاب المزارع يعتمدون على الصبيان للعمل، بحيث يتم البحث عنهم في كل المناطق والتنقل بهم من منطقة إلى أخرى، موضحا أنهم كانوا يُستعان بهم في ذلك الوقت لعدم ذهابهم إلى المدرسة آنذاك، وهو ما دفع أصحاب المزارع للاعتماد عليهم في الأعمال الزراعية. ‎وبين أن من بين الأعمال التي كُلفوا بها في تلك المرحلة، إحداث أصوات على قطع معدنية لمنع الطيور من الاقتراب من المحاصيل، قبل أن يتطور عملهم لاحقا ليشمل سقي الزرع والقيام بأعمال زراعية أخرى، مؤكدا أن مبلغ عشرة دنانير كان يُعد كبيرا في ذلك الوقت. ‎واستذكر موقفا مضحكا ومؤلما في آنٍ واحد، حين تعرض لهجوم من حمار نطحه وترك علامة في جبهته حتى اليوم، ما أدى إلى نقله إلى المستشفى وهو بين الحياة والموت، موضحا أن إحدى الجارات سمعت صوته وهو ملقى في الشارع، بينما كان والداه نائمين ولا يعلمان بما حدث له، فحملته إلى منزلهم ووضعوا على رأسه “السميت” والرمل لإيقاف النزيف، إلى أن توقف الدم، ثم عثروا على سيارة ونقلوه إلى المستشفى، مشيرا إلى أن الطبيب غضب آنذاك بسبب استخدام “السميت” على وجهه. ‎وأشار إلى أن التطور ومواكبة الزمن في استخدام الأدوات الحديثة في الزراعة أصبحا ضرورة، إذ سهلت تقنيات الري الحديثة الكثير على المزارعين وأسهمت في تخفيف الجهد مقارنة بالماضي، مبينا في السياق ذاته أن تطوير المنتجات الزراعية كذلك بات أمرا مهما لتلبية احتياجات الجميع، لافتا إلى أن سوق المزارعين البحرينيين، خصوصا، أسهمت في تعريف الناس بالزراعة البحرينية، كما أن الإقبال على المنتجات المحلية شجعهم على إنتاج ما يتناسب مع احتياجات المستهلكين وما يفضلونه من محاصيل. ‎وبين أنه حرص على حث أبنائه على مساعدته في الزراعة، كونها تراثا يجب توريثه للأجيال القادمة، مؤكدا أنه لا يريد لهذه المهنة أن تندثر أو يأتي جيل لا يوجد فيه مزارعون. ‎وأكد أن الزراعة تظل من أفضل المهن، لما تحمله من بركة وراحة نفسية، قائلا: “لما تكون تعبان وتجي للزرع وتشوف البيع، تنسى التعب اللي تعبته”. ‎وأضاف أن الإحصاءات تشير إلى أن أطول الناس عمرا هم المزارعون، لافتا إلى مقولة نُقلت عن أحد العلماء حين سُئل عن أكثر الناس توكلا على الله، فأجاب بأنهم الفلاحون، لأنهم يعمرون الأرض الفضاء، وينثرون البذور، ويسقونها، وهم لا يعلمون إن كانوا سيتمكنون من بيع محصولهم أم لا، لكنهم متوكلون على الله أكثر من غيرهم.