حين كان للخبر رائحة القهوة

| موزة الكواري

كل صباح كان والدي يجلس على كرسيه الهزّاز، يفتح صحيفته بهدوء، وأمامه كوب قهوته المفضّلة لم نكن -نحن الصغار- نجرؤ على مقاطعته في لحظاته المقدّسة بينه وبين الورق والحبر ورائحة القهوة حين ينتهي، يبدأ بسرد أخبار اليوم والساعة. أما أنا، فكنت أتسلل إلى الصفحة الأخيرة، صفحة الكاريكاتير والأخبار الخفيفة. لم أكن أفهم السياسة ولا أطيق الاقتصاد، لكنني كنت أفهم الضحكة الصغيرة التي يرسمها الكاريكاتير في آخر الجريدة. مرّت الأيام. رحل أبي، ورحلت الصحيفة، وبقي الكرسي الهزّاز وحيدًا… مثلنا. ثم لحقت بها المجلات الورقية، وانتقلت إلى مثواها الأخير بين طيّات الشاشات، تائهة في فضاء الإنترنت الواسع، منصهرة مع الغث والسمين، ومع كل ما يتدفق علينا يوميًا من حسابات تدّعي المعرفة وهي في الحقيقة لا تمثل إلا أفكار أصحابها. إنترنت مزدحم بالشائعات، بأخبار تُحرّكها “أجندات” مجهولة، تنتشر كالنار في الهشيم بلا مقص رقيب، لتصل إلى الناس عارية من التمحيص، محمّلة بما هو نافع وما هو مفسد. هل يُعقل أن تصبح الشاشات هي البديل الوحيد؟ ولماذا يُفرض علينا هذا الواقع فرضًا؟ تكنولوجيا منحتنا الاتصال وسلبتنا التواصل أعطتنا المعلومات، وسرقت منا المعرفة  كبّلت تفكيرنا الحر بأفكار تُقدَّم لنا جاهزة، فصرنا نتقبّل ما لم نكن نقبله يومًا حلّت وسائل التواصل محل كل شيء محل اللعب، ومحـل الجلسات، ومحـل العقول التي لم تدرك بعد حجم الخراب الذي يصنعه الإدمان على الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي. صار الجميع إعلامياً فجأة، يناطح الصحف والقنوات بلا خجل، بينما كانت المؤسسات الإعلامية الحقيقية التي لا تمرّر خبرًا إلا بعد غربلته ودراسته جيدا احترامًا لعقول الجمهور ومبادئهم مختبئة . كما امتلأت الصحف الإلكترونية بمقالات كتبها الذكاء الاصطناعي، يراهن أصحابها على عجزنا عن التمييز بين صوت الإنسان وصوت الآلة. كانت الصحيفة الورقية تمنحنا فرصة للتفكير: نقرأ بتركيز، نحلّل، نستنتج، دون إشعار يقاطعنا اليوم لا نصبر على قراءة ربع صفحة… وأتمنى، عزيزي القارئ، أنك وصلت إلى هنا دون أن تخطفك شاشة أو يقاطعك اشعار. لسنا ضد التكنولوجيا، ولا ضد التطور لكننا ضد أن تُسرق منا لهفة الانتظار، ولذة فتح المجلة، ورائحة الورق نحن ضد أن تُستبدل الروح الحقيقية بروبوت، والدفء بشاشة باردة كيف يمكن للسلطة الرابعة أن تذوب وسط هذا الضجيج؟ كيف يضيع صوت الحقيقة بين صراخ الزيف؟ نريد الورق نريده لأننا نحتاجه، لا لأنه قديم نريده لأن الذاكرة لا تعيش في شاشة، بل في ملمس الصفحة، وفي صوت تقليبها متى سيتحقق الحلم وأعود لأرى صندوق بريد يحمل أسماء صحفي المفضّلة عند الباب؟ متى أعود لانتظار مجلتي الأسبوعية والشهرية كما كنا؟ صحفي العزيزة عودوا , فالرفوف في الأكشاك تشتاق إليكم عودوا… فنحن بانتظاركم وبعدها ، فلترقد روح أبي بسلام سأجلس أنا على الكرسي الهزّاز، أقلب في صحيفتي الأثيرة، ، وأمامـي كوب قهوتي المفضّلة، أسرد لأبنائي أخبار اليوم والساعة فقد عاد الورق إلى الحياة.. همسة أخيرة: ليس كل تكنولوجيا تقدّم.