الهوية الوطنية البحرينية: تطبيق عملي في "ليالي المحرق"

| محمد سعد المران

​تعتبر الهوية الوطنية البحرينية ركيزة أساسية في بناء المجتمع وتماسكه، وهي نتاج تاريخ طويل وحافل بالثقافة والإرث. ولم تكن جهود تعزيز هذه الهوية وليدة اللحظة، بل هي عملية ديناميكية ومستمرة، تتجلى جذورها منذ التسعينات من خلال المبادرات الرسمية التي هدفت إلى نقل التراث البحريني عبر المهرجان التراثي السنوي ومسلسلات خالدة، مثل "بو تعب" و"ملف الأياويد" و"حزاوي الدار"، مما شكل نقلة نوعية في ترسيخ الهوية الأصيلة. وتواصلت هذه الجهود لتتجسد في مبادرات حية ومتكاملة، على غرار "القرية التراثية" في الجنوب و"هوى المنامة". ​وتأتي "ليالي المحرق" اليوم لتقدم نموذجاً استثنائياً وتطبيقاً عملياً لهذه الهوية، فهي ليست مجرد احتفالية عابرة، بل هي اندماج حقيقي وشامل للتركيبة السكانية والمكون البحريني الأصيل. لقد استطاعت هذه الفعالية أن تمزج ببراعة بين: ​الموروث البحري: الذي يفوح برائحة اللؤلؤ وصناعة السفن وشباك الصيد. ​الموروث البري: الذي يعكس حياة البادية والفروسية والقيم العربية الأصيلة. ​الموروث الزراعي: الذي يربط الإنسان بأرضه ونخيله وعطائه المستمر. ​هذا التناغم الفريد لم يقتصر على الأجواء العامة فحسب، بل امتد ليشمل أدق تفاصيل الحياة اليومية؛ فنجد التجارة بمقوماتها القديمة تتلاقى مع التقاليد العريقة، وتظهر الأزياء البحرينية بألوانها وتطريزاتها كشاهد على الرقي الاجتماعي، وصولاً إلى الأطعمة الشعبية التي تمثل جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الجماعية للمجتمع. ​إن "ليالي المحرق" نجحت في صهر هذه المكونات (البر، البحر، الزراعة) في بوتقه واحدة، مؤكدةً على أهمية نقل هذا الموروث كأمانة تاريخية من جيل إلى جيل. ويأتي هذا الاهتمام تماشياً مع خطابات جلالة الملك التي تشدد باستمرار على ضرورة الحفاظ على الهوية ودعمها، كما تعكسه زيارة سمو ولي العهد الأخيرة للمهرجان واهتمام سمو الشيخ ناصر المستمر بالموروث الشعبي في مختلف المحافل، مما يؤكد أن الهوية البحرينية هي مشروع وطني جامع تتوارثه الأجيال بكل فخر واعتزاز.