الناجي الوحيد لـ “البلاد”: اعتبرنا اللغم “كرة حديدية”.. والانفجار وقع في دقائق
| سعيد محمد سعيد
هل وقعت المأساة في ديسمبر 1986 أم في فبراير 1987مفي سجل الذاكرة، تبقى بعض الحوادث عالقة بين الرواية الشفوية والوثيقة المكتوبة، وبين ما يتناقله الناس وما تثبته الصحافة والأرشيف، ومن بين تلك الوقائع المؤلمة، تبرز حادثة انفجار لغم بحري قرب ساحل قرية جنوسان، لكن السؤال: هل حدثت في 24 ديسمبر 1986 أم في 27 فبراير 1987؟ السرد وتثبيت الزمن هذا التقرير يحاول الاقتراب من الإجابة ضمن إطار صحافة التوثيق، التي لا تكتفي بسرد الحكاية، بل تسعى إلى تثبيت الزمن والمكان والأسماء اعتمادًا على الشهادات والأرشيف، إذ تُعد حادثة انفجار اللغم البحري واحدة من أكثر الحوادث إيلامًا في الذاكرة المحلية، ووفق ما استقر عليه التوثيق الأحدث، فإن لغمًا بحريًا جرفته التيارات إلى الساحل، انفجر أثناء وجود عدد من الأطفال قرب الموقع بالقرب من مبنى “البنقلة”، وهي مكان استراحة البحارة؛ ما أدى إلى مقتل الطفلين حسين صالح مهدي المحاري (11 سنة)، ومحمد فايز المحاري (9 سنوات)، فيما نجا الطفل محمد عبدالله عيسى الجمري (9 سنوات)، وهو الذي أصبح مصدر المعلومات الدقيقة في التحقيقات آنذاك. و “البنقلة” أو “البنكلة” مصطلح شعبي يطلق على المجلس الخارجي للمنزل، لكن لا وجود للمكان اليوم إلا أن الأهم من ذكرى المكان، هو البحث عن الذكرى لدى الناجي الوحيد من الحادثة.. فكيف السبيل؟ الناجي الوحيد يتحدث لـ “البلاد” في إطار البحث عن الناجي الوحيد، وضع كاتب التقرير خطوة بحث وتحرٍ مع سكرتير التحرير رئيس قسم الشؤون المحلية والمحتوى الإلكتروني راشد الغائب، بالتنسيق مع الكاتب بالصحيفة د. جاسم المحاري، والمدير التنفيذي لجمعية جنوسان حسين الصباغ، وتمت الخطوة فعلًا؛ فقد تجاوب الشاهد الرئيس محمد الجمري، الناجي الوحيد من الحادثة حينما كان في التاسعة من العمر، وهو يبلغ اليوم 48 عامًا، فأكد أن تفاصيل تلك الواقعة ما تزال حاضرة في ذاكرته حتى الآن، ووضح أن ما جرى تداوله لاحقًا عن اعتقادهم بأن الجسم الذي عثروا عليه كان كنزًا أو شيئًا ثمينًا غير دقيق، مؤكدًا أن ما حدث لم يستغرق سوى دقائق قليلة. مرة أخرى.. ضربات عدة! واستعاد الجمري الذكرى الأليمة فقال “ما شاهدناه على الساحل كان جسمًا كرويًا من الحديد؛ فاعتقدنا أنه مجرد كرة حديدية، لكن حجمها كان كبيرًا نسبيًا، يقارب قطرها مترًا واحدًا، وارتفاعها قريبًا من ذلك.. قمنا بضربها بالمطرقة ثلاثتنا في البداية، وكانت تُصدر صوتًا معدنيًا واضحًا، ثم تركناها نحن الثلاثة حين كنا نتحرك على الساحل، لكن في لحظة من اللحظات عاد المرحوم حسين صالح إلى الكرة الحديدية وضربها مرة أخرى ضربات عدة. كان محمد فايز يبعد عن حسين قرابة عشرين مترًا، وكان يقترب منه تدريجيًا، وفي تلك اللحظات وقع الانفجار وتقطع جسد حسين على الفور، وكذلك فارق محمد فايز الحياة لكنه جسده كان سليمًا، أما أنا فأصبت بمشكلة دائمة في السمع لا أزال أعاني منها حتى اليوم، إذ أجد صعوبة في تمييز الكلام عندما يتحدث أكثر من شخص في الوقت نفسه”.
ما قصة المطرقة؟ ولفت الجمري إلى أن المطرقة كانت بحوزتهم بشكل اعتيادي؛ لأنهم كانوا يصنعون قوارب خشبية صغيرة، ولم يكن استخدامها أمرًا استثنائيًا، أما بعد الحادثة، فقد خضع للتحقيق مرتين، في الأولى طُلب منه شرح ما حدث بالتفصيل، وفي الثانية عُرضت عليه مجموعة كبيرة من الصور للتعرف على الجسم، وبالفعل، تمكن من التعرف على الجسم الحديدي، ليُبلَّغ لاحقًا بأنه لغم بحري يُستخدم لإحداث انفجارات كبيرة بالسفن، مرجحين أن يكون اللغم الذي انفجر معطّلًا أو فاسدًا جزئيًا، وإلا لكان الانفجار أضخم من ذلك. وختم حديثه بالقول إن قرية جنوسان عاشت حزنًا عميقًا في ذلك اليوم، إلا أن الدرس من تلك الحادثة هو عدم لمس أو العبث بأي جسم غريب، لكنهم كانوا أطفالًا صغارًا وقتذاك، ولم يخطر ببالهم أنه لغم بحري، ولم يظنوه كنزًا أو شيئًا ثمينًا، بل مجرد كرة حديدية تُصدر صوتًا عند الطرق عليها، كما يحدث عند الطرق على عمود إنارة. رواية زمنية دقيقة وفي جولة البحث، جمعت “البلاد” معلومات وثقها بعض المدونين والمهتمين للانفجار الذي وقع يوم الجمعة 27 فبراير 1987، قرابة الساعة الحادية عشرة والنصف صباحًا. ووفق هذا التوثيق، سُمع دوي الانفجار من مسافة بعيدة، وأحدث تصدعًا في أحد المنازل القريبة من الساحل، وعند وصول الأهالي إلى الموقع، عُثر على جثماني الطفلين على مسافات متباعدة من موضع الانفجار، الذي خلّف حفرة واضحة في المكان، ثم أظهرت التحقيقات الأولية آنذاك أن الطفلين كانا يلعبان دون علم بخطورة الجسم الذي تبيّن لاحقًا أنه لغم بحري انفجر فور العبث به. مخلفات الحرب العراقية الإيرانية وقعت الحادثة في مرحلة كانت فيها مياه الخليج ما تزال تعاني مخلفات الحرب العراقية الإيرانية؛ إذ جرفت التيارات البحرية عددًا من الألغام التي زُرعت في سنوات الحرب بالثمانينات، وكانت الحرب في عامها قبل الأخير تقريبًا، ولقيت تفاعلًا رسميًا وإعلاميًا، إذ نشرت الصحف المحلية تحذيرات متكررة من الاقتراب من أي أجسام غريبة على السواحل، كما جرى نشر مواد توعوية توضّح أشكال الألغام البحرية وكيفية التعرف عليها. سجل الزمن وتُظهر صورة أرشيفية وزيري الداخلية والإعلام آنذاك، الشيخ محمد بن خليفة آل خليفة والمرحوم طارق المؤيد، بموقع الانفجار، في تأكيد رسمي لخطورة الموقف وضرورة رفع مستوى الوعي المجتمعي. وتبقى هذه الواقعة واحدة من الأحداث التي تستحق التدوين الدقيق في سجل الزمن البحريني، لا بوصفها مأساة فحسب، بل درس مبكر عن أخطار غير مرئية تركتها الحروب خلفها على الشواطئ الآمنة.