مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي 2025

فيلم بارني: الريف والمدينة تحت المجهر في الصومال

| عبدالستار ناجي

ضمن عروض المسابقة الرسمية لمهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي في دورته الخامسة، يأتي فيلم "بارني"، وهو إنتاج صومالي-جيبوتي-أمريكي مشترك، من توقيع المخرج الشاب محمد شيخ الذي يقدم أولى تجاربه السينمائية الروائية .

في المتن الروائي للفيلم، يأخذنا المخرج محمد شيخ في حكاية هي مجرد ذريعة للانتقال من الريف الصومالي إلى المدينة. تبدأ القصة بفقدان الطفلة "بارني" ذات السنوات التسع في ليلة زفاف إحدى الفتيات الريفيات إلى شاب يعيش في المدينة. عندئذ، تبدأ رحلة شقيقتها "أمينة" برفقة اثنين من أصدقائها الذين تربت معهم في الريف إلى المدينة، ليعيشوا وسط بحر متلاطم من المواقف واللحظات الصعبة والقاسية.  تأتي الأحداث بأسلوب مبسط وتتداعى وتتزاحم خلال رحلة البحث، وإن كان قد أُخذ على الرحلة كثرة المصادفات التي تنقل الأحداث من مكان لآخر ومن شخصية إلى أخرى. كل ذلك يأتي عبر تلك الذريعة لوصف الحالة الاجتماعية والظروف المتباينة بين سكان الريف والمدينة الذين تمزقت علاقاتهم وتشوهت ممارساتهم.

القصة مؤثرة، بالذات في رصدها لعذابات "أمينة"، شقيقة "بارني" الكبرى، برفقة صديقيها "هيرسي" و"جيدي"، عبر رحلة مشبعة بالعزيمة والتحدي والرغبة في استعادة الطفلة بارني. هناك كمٌّ من المشاهد التي تكاد في كل لحظة أن تكسر مجاديف ذلك الثلاثي الذي لا يزال متمسكًا بأخلاق الريف وعاداتهم.

الحكايات لا تنتهي، بدءًا من رفض زوج ابنة القرية التي تزوجت في المدينة استقبالهم في منزله، مرورًا بسرقة أموالهم، وكمٍّ من الحكايات التي تبدو في أحيان كثيرة غير مترابطة وغير مبررة ومقحمة، ولكنها في حقيقة الأمر تأتي من أجل المزيد من النقد للحالة التي يعيشها الإنسان في المدينة. رغم ذلك، يقول أحد رجال الشرطة لأمينة خلال الرحلة بأن ليس كل أهل المدينة سيئين.

يضم الفيلم مجموعة من الأسماء التي هي في الحقيقة مواهب شابة من الصومال وجيبوتي، حيث صُوّرت جميع مشاهد الفيلم. ومن هؤلاء: سلمى أحمد بدور أمينة، حمزة محمود، فؤاد حسّان، مووز بيل، شكري سيج، فردوس إيغي، وزكريا محمود واخرون .. 

في فيلم "بارني"، يظل المخرج محمد شيخ هو اللاعب الأساسي، حيث قام بكتابة السيناريو والإخراج والمونتاج والإنتاج، بالإضافة إلى مجموعة من المهام، لعل أبرزها الانتظار سنوات من أجل الحصول على موارد التمويل.

المخرج الصومالي محمد شيخ، في "بارني"، مخرج يعد بالكثير، خصوصًا وهو يخوض تجربته الأولى وفق إمكانيات مادية محدودة وظروف استثنائية. لكنه استطاع أن يرحل بنا إلى دراسة تحليلية عميقة للمجتمع الصومالي.

يحتوي الفيلم على الكثير من الخصوصية في تقديم الريف بظروفه وهوية الإنسان في تلك الأنحاء الذي يمتلك الإرادة والعزيمة. كما يرسخ دور المرأة الصومالية الشابة وهي امتداد للأسرة الريفية الصومالية.

الفيلم لا يتوقف عند حدود حكاية اختفاء الطفلة بارني، بل نحن أمام رحلة تحديات وعزيمة مقرونة بتعاون أهل الريف وتكاتفهم وإصرار تلك الصبية الشابة "أمينة" من أجل العثور على شقيقتها المفقودة، من خلال رحلة مشبعة بالتفاصيل لتحليل إحداثيات مجتمعي الريف والمدينة.

ويبقى أن أقول، فيلم "بارني" هو سينما صومالية جديدة تمتلك هويتها وخصوصيتها، وأيضًا ظروفها الإنتاجية وحدودها الإبداعية المتواضعة بعض الشيء.