في حوار مع “البلاد” حول جهود البحرين في تعزيز التكامل

كامل الصالح: التزام البحرين “مبدئي” فـي دعـم مسيـرة العمـل الخليجـي المشتـرك

| سعيد محمد سعيد

أولوية للتعاون الأمني والدفاعي والسياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي والإعلامي والخدمي من خبرتي لأكثر من 22 عامًا كنت شاهدًا على دور بحريني ريادي قبل قيام المجلس

دون ريب، تمثل جهود مملكة البحرين ودورها المحوري في تعزيز التكامل الخليجي في القطاعين العمالي والاجتماعي مساحة كبيرة من الأهمية، ويلقي المدير العام الأسبق للمكتب التنفيذي لمجلس وزراء العمل والشؤون الاجتماعية بدول مجلس التعاون الخليجي السفير كامل صالح الصالح الضوء على هذا الجانب انطلاقًا من خبرته لينقلنا بين محطات مهمة للتوثيق.

من اللازم بدايةً – كما يلفت الصالح – التأكيد على نقطة جوهرية وهي حرص مملكة البحرين على تعزيز اللحمة الخليجية وتوثيق حلقات الترابط بين الأقطار العربية الخليجية في مستوياتها كافة؛ قيادات وحكومات وشعوب ومجتمعات، وفي مختلف أبعادها الإنسانية والاجتماعية مهنيًا وتعليميًا وتربويًا وصحيًا، وبما يوفر للأسرة وأفرادها الرفاه الاجتماعي والاستقرار المعيشي والنفسي، وبالتالي بناء الإنسان المواطن الفاعل والمنتج والمبدع والقادر صحيًا وتربويًا وعلميًا على الإسهام في بناء ونهضة بلده ومجتمعه، وليكون الإنسان هو الهدف والغاية وهو الأداة والوسيلة معنا، وليكون هو الأول والأخير.

مباركة خليجية جماعية

تلك الأبعاد تستحق أن نلقي عليها الضوء من بواكيرها.. فكيف كانت؟

-الصالح: لا بأس من أن نعرج على بعض الإشارات المهمة، فقد لعبت وزارات العمل والشؤون والتنمية الاجتماعية دورًا محوريًا ومهمًا للغاية، وهذا ما يستحق تسليط الضوء عليه هنا بمناسبة احتضان واستضافة مملكة البحرين لقادة القمة الخليجية والوفود المشاركة، وبحكم التجربة الشخصية التي امتدت لأكثر من اثنتين وعشرين عامًا فقد كنت شاهدًا على الدور الريادي والمؤثر الذي لعبته حكومة مملكة البحرين في تعزيز المنظومة الخليجية حتى قبل قيام وانبثاق مجلس التعاون الخليجي عام 1981، عندما بادرت ودعت لتأسيس مجلس لوزراء العمل والشؤون الاجتماعية عام 1978 بمباركة جماعية من دول الخليج العربية الأخرى الشقيقة.

وبالنسبة لي، تشرفت بحمل مسؤولية إعداد مشروع وثيقة المبادئ والأهداف الأساسية للسياسات العمالية والاجتماعية المشتركة، ثم دعت واستضافت المؤتمر التأسيسي للوزراء الذي عقد في المنامة عام 1978، حيث تم فيه إقرار تلك الوثيقة، وبعدها بادرت باستضافة الأمانة العامة للمجلس، وكلفت فريق عمل من أبرز عناصر وكادر الوزارة ذوي الكفاءة والخبرة والاختصاص بإعداد أنظمة ولوائح المجلس وأمانته العامة، والتحضير لعقد الدورة الأولى للمجلس في الدوحة، حيث تم فيها إقرار تلك الوثائق والأنظمة واللوائح واعتماد أول ميزانية للمجلس وأمانته العامة المتمثلة في المكتب التنفيذي.

إدارة دفة العمل

إذن، البحرين أدارت العمل، فكيف تشكل هيكل فريق العمل لهذه المسؤولية الكبيرة؟

-الصالح: وافق أصحاب المعالي الوزراء وبالإجماع على مرشح مملكة البحرين ليتولى مسؤولية إدارة دفة العمل وليكون أول أمين عام للمجلس وسكرتاريته وللمكتب، والذي تواصل عمله في المنصب على مدى عقدين ونيف، وقد تشكل كادر المكتب وسكرتاريته الإدارية والعلمية والفنية في جلهم من خبرات بحرينية ذات كفاءة وخبرات معروفة في مجالها، إضافة إلى ذلك، تبرعت البحرين وقدمت مبنى المقر الرئيس ووفرت له كامل الدعم المالي والفني واللوجستي المطلوب، والذي بفضل ذلك كله تمكنت الأمانة العامة من القيام بالدور والمسؤوليات المناط بها على أكمل وجه.

وبالإضافة لكل ذلك، استضافت واحتضنت البحرين معظم اجتماعات وبرامج وأنشطة وفعاليات العمل والتعاون الخليجي المشترك في المجالات العمالية والاجتماعية. وفضلًا عن ذلك، استطاع المكتب - وبدعم من دولة المقر وباقي الدول الأعضاء - الاضطلاع بالدور المناط به على الساحة الخليجية والعربية والإقليمية والدولية، حيث شارك بصفة مراقب في العديد من المؤتمرات والاجتماعات التي تُعقد على الصعيدين العربي والدولي، فكانت له مشاركات نشطة في الإعداد للاجتماعات التنسيقية الجانبية التي تعقدها المجموعة الخليجية على هامش اللقاءات العربية والدولية من أجل تنسيق وتوحيد المواقف تجاه مختلف الموضوعات المطروحة على جدول أعمال تلك الاجتماعات السنوية الدورية أو الاستثنائية، وخاصة مؤتمرات مجلس وزراء الشؤون الاجتماعية العرب، ومنظمة العمل العربية، ومنظمة العمل الدولية في جنيف وغيرها كثير.

العرفان للكوادر البحرينية

يبدو من العرفان أن نستذكر الأدوار وكذلك الشخصيات التي أسهمت في كل هذه المسيرة.. فمن هم؟

-الصالح: أحسنتم.. هذه لفتة طيبة للتقدير والعرفان، وكم يسعدني أن أذكر الأخ الوزير جميل بن محمد علي حميدان، والأخ الوزير الدكتور محمد علي بن الشيخ منصور الستري الذي أصبح لاحقًا وزيرًا للعدل ثم مستشارًا لجلالة الملك للشؤون التشريعية والقانونية، والأخت عائشة خليفة مطر التي أصبحت لاحقًا رئيسة لمركز الحرف اليدوية التراثية، والأخ خلف الشيخ أحمد خلف العصفور الذي انتخب لاحقًا رئيسًا لاتحاد جمعيات الاجتماعين في الخليج، والأخ الشاعر على عبدالله خليفة الذي كان سابقًا المدير العام للمركز الخليجى للتراث الشعبي ثم أمينًا عامًّا لجائزة جلالة الملك حمد للإنجاز الإنساني، والأخ  جاسم علي الفردان الذي كان مسؤولًا في إدارة الشؤون المالية والحسابات بوزارة الخارجية، وغيرهم كثر من المتخصصين في مجالاتهم الاجتماعية والبحثية ومنهم الأخوة: جمال السلمان - فهيمه عبد الرسول الزيرة - أنيسة عبدالله فخرو - سند محمد سند - محمود حافظ - علي عبدالله  غلوم - و عباس مرهون، ونهديهم من خلال “البلاد” أجمل باقات الشكر والامتنان.

كل تلك الأسماء البحرينية أبلت بلاءً حسنًا في تأسيس الأمانة العامة للمكتب التنفيذي وتطوير أنظمته وبرمجة وتنفيد فعالياته وأنشطته، والإشراف المباشر على  مختلف مشاريع وخطط التعاون والتنسيق المشترك بين الدول الأعضاء في المجلس في مختلف الموضوعات والمسائل والقضايا المرتبطة بقطاع العمل والتنمية والشؤون الاجتماعية الداخلة في اختصاصات وزارات العمل والشؤون الاجتماعية.

قرارات “مرجعية”

ما هي أبرز القرارات التي أثمرت عن تحول جديد في مسار العمل وأصبحت مرجعية.. هل تتذكرونها؟

-الصالح: في الحقيقة، لا يسع المجال في هذه العجالة لاستعراض القرارات التي تبناها المجلس حيال العديد من المسائل والقضايا العمالية والاجتماعية الأساسية الحيوية التي تمثل اهتمامًا وهمًّا جماعيًا مشتركًا بين الدول الأعضاء بالمجلس، مما أرسى قاعدة متينة وراسخة لقيام العديد من المشاريع والبرامج والفعاليات الموحدة، وتبني الكثير من الوثائق والسياسات العمالية والاجتماعية والدراسات المتخصصة التي أصبحت مرجعية مهمة لكافة الجهات الرسمية الحكومية والأهلية ولمختلف الهيئات المتخصصة والمنظمات المعنية بالشأن الاجتماعي والعمالي، بتعدد قضاياه وتشعب محاوره السياسية والتنموية والاجتماعية والفنية وحتى السياسية والثقافية.

هذا العرض السريع ليس إلا غيض من فيض مما تم تناوله في إطار الحديث عن دور مملكة البحرين الفاعل في تعزيز مسيرة العمل والتعاون الخليجي المشترك بين دول مجلس التعاون الخليجي، حيث تتشرف مملكة البحرين اليوم بانعقاد القمة على أرضها الطيبة المباركة، والتي تتطلع لنتائجها ومقرراتها بأمل وتفاؤل كبير كافة شرائح الشعوب والمجتمعات الخليجية العربية في المنطقة، لكن، لا بأس من لفت نظر القارئ الكريم إلى أنه منذ بداية عهد الاستقلال، ترسخ في الوجدان وفي التوجه الرسمي والشعبي العريض بمملكة البحرين إيمان راسخ وعميق بالمصير والمستقبل المشترك بين أقطار الخليج العربية، وبما يحقق لها مجتمعة الأمن الجماعي غير القابل للتجزئة ويضمن مصالحها المشروعة في الأمن والسلام والتنمية المستدامة وبشتى سبل التعاون والتنسيق وبمختلف وسائل العمل المتاحة.

القمة وطنيًّا وإقليميًّا

القمة مهمة.. الظروف استثنائية.. والطموح كبير، من منظوركم وفي مسك الختام.. ما هي الأولويات؟

-الصالح: في مقدمة الموضوعات التي لها أولوية خاصة هي التعاون والتنسيق الأمني والدفاعي والسياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي والإعلامي والخدمي بصفة عامة، وهنا تبرز ضرورة التنسيق بين المشاريع والخطط والبرامج التنموية بمختلف محاورها الاقتصادية والتنموية والمعيشية وفي أبعادها التي تلامس مباشرة قضايا المواطن الخليجي الأساسية، وفي كل مجالات الحياة التي تحقق الرخاء والرفاه في الحاضر والمستقبل لأبناء المنطقة، وليبقى الإنسان هو الغاية والهدف والوسيلة لكل الجهود والبرامج والمشاريع التي تتبناها الحكومات على الصعيدين الوطني والإقليمي المشترك.

وكما أشرتم كـ”مسك ختام”، نحن متفقون على أهمية العمل والتعاون والتنسيق الجماعي المشترك بين الأقطار العربية الشقيقة في الخليج في شتى المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية والإعلامية وغيرها من الشؤون، مع ضرورة وأهمية التنسيق فيما بينها حول مختلف المسائل الإقليمية العربية والإسلامية والقضايا العالمية المطروحة على جداول أعمال المؤتمرات والمنظمات والهيئات الدولية، وخاصة تلك المتعلقة بتعزيز الأمن والسلام العالمي بين دول العالم والقائم على مبادئ العدل والشرعية الدولية ومواثيق ومقررات الأمم المتحدة وهيئاتها ومنظماتها ووكالاتها المتخصصة، والتأكيد والعمل على حل المنازعات والخلافات بين الدول بالطرق السلمية والسعي الحثيث لمنع تفاقم الأوضاع والمآسي الإنسانية، وتعزيز مبادئ حقوق الإنسان ونشر قيم الحق والعدل والتعايش والتسامح بين مختلف الأعراق والأديان والثقافات والأجناس، ودعم كل صور التعاون الدولي لحل العديد من القضايا والمشاكل التي تؤرق الأوطان والشعوب في حاضرها ومستقبلها، فمنطقة الخليج العربي كما عرفت منذ القدم.. مصدر إشعاع سلام لكل البشرية.