رحلة توثيقية من ذاكرة الطفل إلى واقعية التعبير الناضجة

إبراهيم الغانم: "سوق المنامة ليس مكاناً أزوره.. بل مكان يسكنني"

تغطية وتقرير: شيرين فريد

في معرضه الشخصي الرابع "سوق المنامة»، يقدم الفنان التشكيلي إبراهيم الغانم تجربة فنية فريدة تمزج بين توثيق التراث الشعبي وإعادة صياغته بصريًا بروح معاصرة. أكثر من 320 لوحة رسمها الغانم، تتناول تفاصيل السوق العريق في قلب المنامة، من واجهات المحلات وألوان الأقمشة، إلى الزحام والفوضى الجميلة التي تعكس حياة المجتمع البحريني، تم اختيار 29 عملاً لافتتاح هذا المعرض.

افتُتح المعرض بحضور الشيخة ضوى بنت خالد آل خليفة، التي أشادت بالقيمة الفنية والتوثيقية للأعمال، معتبرة أن المعرض يجسد جسرًا بصريًا يربط الأجيال بهوية المكان وروح الذاكرة البحرينية الأصيلة. ويأتي هذا المعرض بعد أن نال الفنان إبراهيم الغانم جائزة مؤسسة راشد بن خليفة للفنون تقديرًا لأحد أعماله المميزة بعنوان "جمال مدفون " الذي مزج فيه بين الذاكرة والمشاعر والملامح المنسية التي تختبئ خلف الزمن والمكان وعن الجماليات الخفية التي تم طمسها تحت ركام الحياة بروح معاصرة.

وعن معرضه عبر الفنان عن تجربته قائلا: "سوق المنامة ليس مكانًا أزوره، بل مكان يسكنني. منذ طفولتي كانت زياراتي مع والدي قبل شهر رمضان لحظات مرتبطة بالفرح والدهشة، ومع مرور السنوات تحوّلت الذاكرة إلى مشروع فني."

كما أكد أن قضية الهوية في أعماله ليست في الشكل فقط، بل في الروح. الألوان التراثية، حركة الناس، وحتى الفوضى الجميلة، كلها عناصر تعكس البيئة البحرينية الأصيلة.

يتميز المعرض بأسلوب الواقعية التعبيرية، حيث مزج الفنان بين التفاصيل الدقيقة للطبيعة الإنسانية والطابع انطباعي للحركة والحياة اليومية في السوق. تتنوع الأعمال بين اللوحات التي تصور واجهات المحلات وألوان الأقمشة، إلى اللوحات التي تركز على الإنسان والحياة الاجتماعية، مع حضور واضح للعفوية التي تمنح اللوحات حيويتها.

الغانم بدأ أول معرض شخصي له عام 2004، واليوم أصبح أكثر احترافية وتركيزًا على اختيار المواضيع وإنتاج أعمال صادقة وأصيلة، تجمع بين الحداثة والتراث، وتوثق ذاكرة المكان مع الحفاظ على الهوية البحرينية، فها هو الآن يقدّم درسًا بصريًا عميقًا في العلاقة بين الفن والمجتمع، ويثبت أن حفظ الهوية لا يتم بالكلمات وحدها، بل يمكن أن يتحقّق بالريشة واللون والذاكرة ؛ فمعرض "سوق المنامة“ هو شهادة على قدرة الفن على تحويل الأماكن الشعبية إلى وثائق بصرية نابضة، تُحاكي الذاكرة وتستشرف المستقبل، وتؤكد أن البحرين، من خلال ريشتين محبة للتراث، ما زالت حيّة في أعين الفنانين والجمهور على حد سواء. ومن زاوية أكثر قربًا إلى الفنان وتجربته، كان هذا اللقاء الشائق معه:

 

لماذا اخترت السوق محورًا لمعرضك الشخصي الرابع؟

سوق المنامة أكثر من مجرد سوق؛ إنه ذاكرة البحرين الحية، نبض المدينة وروحها. أراد طفلي الداخلي أن يشهد الحركة، والزحام، وألوان الأقمشة، وروائح الطعام، والأصوات المتداخلة للباعة والمشترين. واليوم أصبحت هذه الذكريات مشروعًا فنيًا يحفظ التراث ويقدمه للأجيال.

 

عندما ترسم السوق، هل ترسم المكان أم الإنسان بداخله؟

الإنسان هو الجوهر. السوق ليس حيطانًا أو واجهات فقط، بل حياة تكتمل بالعلاقات الإنسانية. البائع، المرأة، الطفل، الزبائن، كل شخصية جزء من اللوحة ومصدر للحركة والعاطفة. هذه التفاصيل الصغيرة تمنح اللوحة روحها.

 

كيف توفق بين الواقعية والتعبير العاطفي؟

الواقعية وحدها لا تكفي؛ فهي قد تتحوّل إلى تصوير فوتوغرافي بارد. التعبير العاطفي يجعل اللوحة حيّة. أبدأ بالتخطيط الأساسي للمشهد، ثم أترك العفوية تلون اللوحة، فتظهر الحركة، الظلال، الضوء، وحتى الفوضى المنظمة التي تعكس طبيعة السوق.

 

كيف تحدّد هوية البحرين في أعمالك؟

الهوية تكمن في الروح: حرارة الناس، طريقة تعاملهم، صبرهم، فرحهم، ارتباطهم بالمكان. أستخدم الألوان التراثية، الأقمشة، العمارة، وحتى العشوائية البسيطة في السوق لأبرز خصوصية البحرين.

 

هل أثرّت طفولتك وزياراتك للسوق على أسلوبك الفني الحالي؟

بالتأكيد، الطفل الذي كنت عليه كان يشاهد كل شيء بتفاصيل دقيقة وفضول كبير. أعشق التفاصيل الصغيرة التي قد يغفلها الآخرون، لأنها تعكس الحياة الحقيقية. الفن بالنسبة لي هو إعادة عيش الذكريات، وليس مجرد رسم.

 

كيف تتعامل مع تعدد القراءات والتفسيرات لأعمالك؟

اللوحة ليست ملكي وحدي بعد أن تُعرض. أحيانًا يفسّر الناس الأعمال بشكل مختلف عما قصدت، وهذا جميل. الفن يجب أن يسمح بالقراءة المتعددة، وأن يحفّز الفكر والمشاعر معًا. المهم أن يبقى الجوهر صادقًا ومخلصًا للهوية والتراث.

 

هل ترى أن هذا المعرض يشكّل مرحلة جديدة في مسارك الفني؟

هذا المعرض يمثل مرحلة نضج فني. السوق لم يعد مجرد موضوع، بل حالة فنية كاملة تعكس تجربة شخصية واجتماعية.

 

ما أكثر لوحة قريبة إلى قلبك في المعرض؟ ولماذا؟

لوحة النساء في السوق، فهي أكثر من مجرد تصوير، فهي حياة كاملة، حركة، عاطفة، عمل، وألفة. المرأة رمز للحياة اليومية والقوة، وهي جزء أساسي من ذاكرة وحضارة المكان.

 

كيف ترى دور الفنان في حفظ التراث؟

الفنان مسؤول عن نقل الذاكرة، وليس مجرد تصوير مشاهد جميلة. الفن يجب أن يكون جسرًا بين الماضي والحاضر والمستقبل.

 

نصيحة للفنانين الشباب؟

ادرسوا الفن بعمق، تعلموا التقنيات، احترموا قيم المجتمع وأخلاقياته، وركزوا على الهوية والموضوع قبل كل شيء. الفن ليس مجرد رسم، بل رسالة ومسؤولية.