غياب التأمينات يهدد استقرار العاملات

تحقيق "البلاد": الروضات .. 3 عقـود ورواتب المعلمـات لا تتخطـــى الـ 150 دينـــارا

| إبراهيم النهام

 - معلمة سابقة: عملنا سنوات طويلة بأجور زهيدة تصل إلى 80 دينارا - عبدالجبار: لا رؤية شاملة  لمعالجة قضايا المعلمات وحقوق الأطفال - المحامي ربيع: إلغاء العقود المؤقتة أو تحديد حد أدنى للتعاقد لا يقل عن سنة - النائب د. الشويخ: الاستثمار في الطفولة المبكرة هو استثمار في مستقبل الوطن - النائب بوعنق: إعادة تعريف دور الحضانة كمنشأة تعليمية لا مشروع تجاري

 

منذ أكثر من ثلاثين عامًا، ما زالت معلمات رياض الأطفال ودور الحضانة في البحرين يخضن معركة صامتة مع واقع مهني مرهق وظروف معيشية صعبة، في ظل رواتب متدنية لا تتخطى 150 دينارا، تصل ببعض الأحيان إلى 80 دينارا وهنا موطن الكارثة بهذا الملف.  فعلى الرغم من أهمية التعليم المبكر ودوره في بناء الأجيال وصياغة المستقبل، لا يزال هذا القطاع، الذي يُفترض أن يكون الأكثر رعاية، يواجه سلسلة من التحديات الممتدة بين تدني الأجور وغياب الحماية التأمينية وضعف الدعم المؤسسي. وبين أحلام المعلمات في حياة كريمة وواقع إداري وتشريعي متعثر، يتجدد السؤال القديم: هل آن الأوان لإنقاذ هذا القطاع من التهميش؟ تقول أمينة عبدالجبار، الرئيس السابق لنقابة العاملين في الروضات ودور الحضانة، إن مشكلات هذا القطاع قائمة منذ أكثر من ثلاثة عقود ولم تجد حتى اللحظة أي حلول جذرية.  وتوضح عبدالجبار أن التحديات تراكمت بسبب غياب رؤية شاملة تعالج قضايا المعلمات وحقوق الأطفال على حد سواء، مشيرة إلى أن هناك أربعة مطالب رئيسة لا تحتمل التأجيل، وهي توفير تأمين تربوي للطفل، ودعم تربوي للمعلمة، وضبط إيجارات العقارات التعليمية بحسب المناطق، إلى جانب تقديم دعم مباشر لربات البيوت اللاتي أسسن حضانات صغيرة.  وترى أن تطبيق هذه الحلول كفيل بإنقاذ القطاع من التدهور، داعية وزارة العمل إلى النظر بجدية في أوضاع العاملات اللاتي لم يشملهن الدعم الحكومي أو التأمين التقاعدي والعمل على تأمين حقوقهن المعيشية. وتضيف عبدالجبار أن القطاع، رغم خصوصيته، لا يحظى بنفس الاهتمام الذي توليه الدولة لقطاعات أخرى، لافتة إلى أن المعلمات في كثير من الأحيان يتحملن تكاليف تشغيلية مثل التأمينات أو المواصلات أو حتى شراء بعض الأدوات التعليمية من رواتبهن الزهيدة. وتشير إلى أن هذا الوضع غير العادل ينعكس سلبًا على جودة التعليم في مرحلة هي الأخطر في تشكيل الوعي والسلوك لدى الأطفال. رواتب زهيدة وتروي معلمة سابقة تدعى (أ. ص) قضت أربعة عشر عامًا في هذا المجال تفاصيل معاناتها، قائلة: “كنت أتقاضى بين 80 و150 دينارًا شهريًا، وخلال الإجازة الصيفية التي تمتد لثلاثة أشهر ندفع التأمينات عن أنفسنا وعن الروضة أيضًا، رغم أننا بلا رواتب طوال تلك الفترة”.  وتضيف: “بعد أزمة كورونا تراجع عدد الموظفات بشكل كبير واضطررت إلى الدخول في برنامج خطوة لتأمين التقاعد، واليوم لا يتجاوز راتبي التقاعدي 103 دنانير فقط، وهو مبلغ لا يكفي لتغطية أبسط متطلبات المعيشة”.  وتتابع أن السنوات الأخيرة كشفت هشاشة البنية التنظيمية للقطاع، فخلال الجائحة أُغلقت العديد من الرياض نهائيًا، ولم تتلقِ العاملات فيها أي تعويضات تُذكر. وتشير إلى أن بعض المعلمات اضطررن للعمل بنظام جزئي أو في منازل خاصة لاستكمال دخل الأسرة، وهو ما يعكس غياب شبكة أمان اجتماعية تحمي العاملات من التقلبات الاقتصادية. وتقول بأسى: “الطفل الذي نُعنى به كل يوم، لا أحد يعنى بنا في نهاية المطاف”. تنظيم القطاع من جانبه، يرى المحامي محمود ربيع أن إنقاذ هذا القطاع لا يمكن أن يتحقق دون إصلاحات قانونية وهيكلية جادة، تبدأ ببحرنته تدريجيًا وفرض نسب لتوظيف البحرينيين، مع تأهيل الكوادر الوطنية لتغطية النقص في الكفاءات.  ويشير ربيع إلى أن العقود المؤقتة تمثل ثغرة قانونية تُستغل ضد العاملات، داعيًا إلى إلغائها أو وضع حد أدنى لمدة التعاقد لا يقل عن سنة، مع فرض عقوبات إدارية على المؤسسات التي تثبت مخالفتها بحرمانها من بعض المزايا الحكومية.  كما يؤكد ضرورة احتساب الحقوق على أساس الأجر الكلي شاملًا العلاوات والبدلات والمكافآت، لافتًا إلى أن غياب مجلس أعلى للأجور يفاقم من أزمة العدالة في الأجر ويترك الفئات الضعيفة في مهب السوق. ويضيف ربيع أن إنشاء مجلس وطني للأجور سيكون بمثابة رافعة اقتصادية واجتماعية حقيقية، إذ يمكن من خلاله وضع حد أدنى للأجور بحسب القطاعات، ما يضمن استدامة العدالة المعيشية ويعزز الإنتاجية.  كما دعا إلى اعتماد نظام تفتيش دوري صارم للمؤسسات التعليمية الخاصة لضمان تطبيق القوانين، مؤكدًا أن البحرين تملك إرثًا تشريعيًا متقدمًا في مجال العمل يمكن البناء عليه. دور مطلوب بدوره، دعا عضو مجلس النواب الدكتور مهدي الشويخ أجهزة الدولة إلى تعزيز دورها في قطاع التعليم المبكر، مؤكدًا أن هذه المرحلة تمثل الأساس في بناء مهارات التعلم والابتكار لدى الأطفال منذ السنوات الأولى من حياتهم. وقال إن الاستثمار في الطفولة المبكرة هو استثمار في مستقبل الوطن، داعيًا إلى تكثيف الجهود الرسمية لتوسيع نطاق التعليم قبل المدرسي ودعم رياض الأطفال والحضانات من خلال برامج دعم وإشراف ورقابة تضمن جودة البيئة التعليمية وسلامتها.  وأوضح أن البحرين تمتلك المقومات التي تمكنها من تبني نموذج مشابه للدول المتقدمة التي توفر رياض أطفال حكومية أو مدعومة جزئيًا لتحقيق العدالة التعليمية. وأشار الشويخ إلى أن تقديم أراضٍ برسوم رمزية للمستثمرين في التعليم المبكر سيساعد على خفض التكاليف التشغيلية ويتيح رفع أجور المعلمات، داعيًا في الوقت ذاته إلى مراجعة قانون التعليم بما يضمن حقوق العاملين ويعزز معايير السلامة في الأبنية التعليمية.  كما شدد على ضرورة تبني برامج تدريب وتأهيل متخصصة للمعلمات الجدد وربطها بالحوافز والترقيات، معتبرًا أن تطوير العنصر البشري في هذا القطاع هو الركيزة الأهم للنهوض به. واقع مؤلم وفي تعليق له لـ “البلاد”، قال النائب خالد بوعنق إن الوضع الحالي يهدد بفقدان الكفاءات الوطنية في هذا المجال، خصوصًا في ظل توجه بعض المعلمات إلى قطاعات أخرى أكثر استقرارًا وأمانًا ماليًا.  وتابع” بوعنق” معالجة الملف تحتاج إلى تنسيق مؤسسي بين وزارات العمل، والتعليم، والتنمية الاجتماعية، بحيث يُعاد تعريف دور الحضانة كمنشأة تعليمية لا مجرد مشروع تجاري”. وأضاف” بين شهادات المعلمات ودعوات النقابيين والمقترحات القانونية والمطالب البرلمانية، يظل قطاع رياض الأطفال في البحرين يواجه مفارقة مؤلمة؛ فهو من أكثر القطاعات تأثيرًا في بناء الإنسان البحريني، لكنه من أقلها دعمًا وتنظيمًا.  وزاد بو عنق “ومع استمرار غياب مظلة حماية شاملة وضعف الأجور وارتفاع كلفة التشغيل، يبرز السؤال الأهم: هل تبادر الجهات المعنية إلى تبني رؤية وطنية جديدة تعيد الاعتبار للعاملات في التعليم المبكر وتضمن استدامة مؤسساته؟ فالطفولة هي البذرة، ورياض الأطفال هي التربة، وإن لم تُروَ كما يجب، فلن يثمر المستقبل”.