الأمن الفكري ضرورة وطنية

| فاطمة عادل سند

“أخطار‭ ‬التطرّف‭ ‬على‭ ‬الأمن‭ ‬الوطني”‭ ‬و”مجالات‭ ‬الإصلاح‭ ‬والتأهيل‭ ‬الفكري”‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المواضيع‭ ‬المهمة‭ ‬كانت‭ ‬مدار‭ ‬شرح‭ ‬وتوضيح‭ ‬ونقاش‭ ‬ضمن‭ ‬اهتمامات‭ ‬فعالية‭ ‬توعوية‭ ‬إرشادية‭ ‬نظمتها‭ ‬رئاسة‭ ‬الأمن‭ ‬العام‭ ‬بوزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬رئاسة‭ ‬أمن‭ ‬الدولة‭ ‬بالمملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية،‭ ‬يوم‭ ‬الثلاثاء‭ ‬الماضي،‭ ‬بحضور‭ ‬الشركاء‭ ‬من‭ ‬الجهات‭ ‬الرسمية‭ ‬والجامعات‭ ‬والمعاهد‭ ‬ذات‭ ‬العلاقة‭. ‬ولفت‭ ‬انتباهي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬اللقاء‭ ‬الطابع‭ ‬التعاوني‭ ‬الدولي‭ ‬الإقليمي‭ ‬مع‭ ‬الشقيقة‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬لتبادل‭ ‬التجارب‭ ‬والخبرات،‭ ‬إيمانًا‭ ‬من‭ ‬القائمين‭ ‬على‭ ‬الفعالية‭ ‬بوحدة‭ ‬المصير‭ ‬لدول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتطلب‭ ‬سياسات‭ ‬دفاعية‭ ‬موحدة‭ ‬ومشتركة‭ ‬تشكل‭ ‬درعًا‭ ‬حاميًا‭ ‬للفكر‭ ‬والهوية‭ ‬الخليجية‭ ‬من‭ ‬التطرف‭ ‬والعنف‭ ‬والإرهاب‭.‬

كما‭ ‬شدّني‭ ‬المنظور‭ ‬التشاركي‭ ‬والشمولي‭ ‬الذي‭ ‬ميّز‭ ‬هذه‭ ‬الفعالية؛‭ ‬فقد‭ ‬بات‭ ‬الأمن‭ ‬مسؤولية‭ ‬جماعية‭ ‬تتقاسمها‭ ‬مختلف‭ ‬الجهات‭ ‬في‭ ‬الوطن،‭ ‬وصار‭ ‬الأمن‭ ‬الفكري‭ - ‬باعتباره‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬الأمن‭ ‬الوطني‭ - ‬أولوية‭ ‬عليا؛‭ ‬لذا‭ ‬حرصت‭ ‬رئاسة‭ ‬الأمن‭ ‬بوزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬على‭ ‬إشراك‭ ‬المؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬ليكون‭ ‬الحوار‭ ‬ذا‭ ‬جدوى،‭ ‬وللخلوص‭ ‬إلى‭ ‬مخرجات‭ ‬وتوصيات‭ ‬تصبّ‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬الأمن‭ ‬الفكري‭ ‬لدى‭ ‬النشء‭ ‬واتخاذ‭ ‬طرق‭ ‬الوقاية‭ ‬والعلاج‭ ‬المثلى‭. ‬وما‭ ‬استرعاني‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المحاضرة‭ ‬التحليل‭ ‬الدقيق‭ ‬والشامل‭ ‬للدكتور‭ ‬عبدالعزيز‭ ‬عبدالرحمن‭ ‬الهليل‭ ‬حيث‭ ‬تطرّق‭ ‬إلى‭ ‬مختلف‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬تسبّب‭ ‬التطرف‭ (‬سياسية‭ ‬اقتصادية‭ ‬اجتماعية،‭ ‬داخلية‭ ‬وخارجية‭...)‬،‭ ‬وبذلك‭ ‬سلط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬أسباب‭ ‬التطرف‭ ‬الفكري؛‭ ‬فقد‭ ‬يتحول‭ ‬الجهل‭ ‬والتعصب‭ ‬إلى‭ ‬تطرف‭ ‬فكري‭ ‬ثم‭ ‬تطرف‭ ‬سلوكي‭ ‬وربما‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬أعمال‭ ‬إجرامية‭ ‬وإرهابية‭ ‬تهدد‭ ‬أمن‭ ‬المواطنين‭.‬

وممّا‭ ‬أكّد‭ ‬عليه‭ ‬المحاضر‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬ابتكار‭ ‬سبل‭ ‬وقائية‭ ‬لتعزيز‭ ‬المكتسبات‭ ‬الإيجابية‭ ‬والحميدة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬وترسيخ‭ ‬قيم‭ ‬حب‭ ‬الوطن‭ ‬والولاء‭ ‬والانتماء؛‭ ‬فقد‭ ‬تنوّعت‭ ‬وسائل‭ ‬التغرير‭ ‬بالنشء‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬المراهقين‭ ‬وتفنّن‭ ‬المجرمون‭ ‬في‭ ‬غسل‭ ‬أدمغتهم‭. ‬لذا‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬ابتكار‭ ‬وسائل‭ ‬معاصرة‭ ‬لإنقاذ‭ ‬هؤلاء‭ ‬“المغرّر‭ ‬بهم”‭ ‬بفهم‭ ‬سيكولوجية‭ ‬الشباب،‭ ‬وطرق‭ ‬التغرير‭ ‬بهم،‭ ‬ثم‭ ‬مكافحتها‭ ‬بأساليب‭ ‬تجذب‭ ‬النشء‭ ‬والشباب‭ ‬وتؤثر‭ ‬فيهم.

كما‭ ‬تلعب‭ ‬مراكز‭ ‬الإصلاح‭ ‬والتأهيل‭ ‬دورًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬في‭ ‬إنقاذ‭ ‬أولادنا؛‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬توسّع‭ ‬فيه‭ ‬النقيب‭ ‬عبدالعزيز‭ ‬الحواس‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عرض‭ ‬التجربة‭ ‬الرائدة‭ ‬للمملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬المعالجة‭ ‬الفكرية‭ ‬للمتطرفين‭ ‬بتأسيس‭ ‬مركز‭ ‬الإصلاح‭ ‬والتأهيل‭ ‬الذي‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬المهارات‭ ‬الحياتية،‭ ‬وتصحيح‭ ‬المفاهيم،‭ ‬والدعم‭ ‬النفسي،‭ ‬والإعداد‭ ‬للاندماج‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭. ‬وقد‭ ‬اتبعت‭ ‬التجربة‭ ‬السعودية‭ ‬سياسة‭ ‬مرحلية‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬“الإصلاح”‭ ‬إلى‭ ‬“التأهيل”‭ ‬ثم‭ ‬“الإدماج”‭ ‬المقرون‭ ‬بالرعاية‭ ‬والمتابعة‭.‬

وإننا‭ ‬إذْ‭ ‬نؤكد‭ ‬أهمية‭ ‬الأمن‭ ‬الفكري‭ ‬كونه‭ ‬مسؤولية‭ ‬عظمى‭ ‬تضعها‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬في‭ ‬أعلى‭ ‬سلم‭ ‬أولوياتها،‭ ‬فإننا‭ ‬ندعو‭ ‬إلى‭ ‬متابعة‭ ‬التوصيات‭ ‬القيمة‭ ‬لملاحظة‭ ‬أثرها‭ ‬وانعكاسها‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬الطلبة‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانوية‭ ‬والجامعية‭. ‬ولكنّها،‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظري،‭ ‬مسؤولية‭ ‬جماعية؛‭ ‬فالأسرة‭ ‬لها‭ ‬دور‭ ‬أساسي،‭ ‬وكذا‭ ‬دور‭ ‬العبادة‭ ‬والمؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬والإعلامية‭ ‬والثقافية،‭ ‬كلها‭ ‬تتكامل‭ ‬وتتكاتف‭ ‬للوقاية‭ ‬من‭ ‬أية‭ ‬انحرافات‭ ‬فكرية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬النشء‭ ‬فريسة‭ ‬يسهل‭ ‬النيل‭ ‬منها‭ ‬والتغرير‭ ‬بها‭. ‬

 

كاتبة‭ ‬بحرينية‭ ‬وباحثة‭ ‬قانونية