"خاص البلاد": اختبارات نووية غير مسبوقة تُعيد سباق الردع إلى الواجهة
| محرر الشؤون الدولية
قبل أيام قليلة، تصدّر المشهد العالمي إعلان موسكو نجاح اختبارين نوويين غير تقليديين، الأول لصاروخ "بوريفيستنيك" الجوّال العامل بالطاقة النووية، والثاني للطوربيد النووي "بوسيدون" الذي وصفه الرئيس فلاديمير بوتين بأنه "فريد ولا مثيل له"؛ لقوته التدميرية القادرة على إحداث موجات إشعاعية عابرة للقارات.
لم يكن الإعلان مجرّد استعراض تقني، بل رسالة واضحة من الكرملين مفادها أن روسيا باتت تملك أدوات ردع تتجاوز الأنظمة التقليدية وتكسر احتكار واشنطن للتفوّق النووي.
وبينما كانت موسكو تبث مشاهد الاختبار في وسائل الإعلام الرسمية، صدر من واشنطن قرار أحدث صدى واسعًا: أمر الرئيس الأميركي دونالد ترامب وزارة الدفاع باستئناف التجارب النووية بعد توقف دام أكثر من ثلاثة عقود.
القرار، الذي وُصف بأنه "أكثر الخطوات إثارة منذ نهاية الحرب الباردة"، أثار انقسامًا داخل الولايات المتحدة نفسها بين من يراه ضروريًا للحفاظ على التوازن مع روسيا والصين، ومن يحذر من أنه قد يفتح الباب أمام انهيار منظومة ضبط التسلّح النووي بالكامل.
صدى دولي وتحذيرات من سباق لا يمكن ضبطه
أحدثت القرارات المتقابلة ارتباكًا في الأوساط الدولية، فبينما قلّل الكرملين من شأن ردود الفعل الغربية مؤكدًا أن تجاربه لا تنتهك أي معاهدة قائمة، دعت الصين إلى التزام "جميع الأطراف بضبط النفس"، فيما أبدت الأمم المتحدة ومنظمة الحظر الشامل للتجارب النووية قلقًا عميقًا من احتمال العودة إلى الاختبارات التفجيرية بعد عقود من التجميد.
في أوروبا، بدت العواصم الكبرى في حيرة بين الدعوة إلى التهدئة ومواصلة دعم برامج الردع الخاصة بها في ظل تنامي الشكوك تجاه نوايا موسكو وواشنطن على السواء.
أما داخل الولايات المتحدة، فقد حذر عدد من الخبراء من أن العودة للاختبارات الفعلية تحتاج إلى تجهيزات تقنية ضخمة وكلفة سياسية باهظة قد تستغرق سنوات، لكنها في الوقت ذاته تُرسل رسالة سياسية مفادها أن "حقبة الانضباط النووي" تقترب من نهايتها.
سياق سياسي وأمني متفجر
يأتي هذا التصعيد النووي في سياق جيوسياسي متوتر أصلًا. فالحرب في أوكرانيا لا تزال تستنزف موسكو والغرب معًا، وتُستخدم فيها لغة الردع النووي بشكل غير مسبوق منذ التسعينيات.
كما تتصاعد المخاوف في واشنطن من سرعة تطوير الصين لترسانتها النووية وتحديث منصاتها الإستراتيجية، ما يدفع الولايات المتحدة إلى إعادة تقييم ميزان القوى الثلاثي بينها وبين موسكو وبكين.
من هذا المنطلق، تبدو التجارب الروسية والأوامر الأميركية الجديدة جزءًا من سباق نوعي يتركّز على التكنولوجيا والأنظمة الجديدة أكثر من كونه سباقًا تقليديًا على عدد الرؤوس النووية.
فالقوة في العصر الحالي لم تعد تُقاس فقط بحجم الترسانة، بل بقدرتها على تجاوز الدفاعات المعادية، ودقتها، وسرعة استجابتها في ميدان المواجهة.
معاهدة "نيو ستارت" على حافة الانقضاء
تزداد الصورة تعقيدًا مع اقتراب انتهاء معاهدة «نيو ستارت» في فبراير 2026، وهي آخر معاهدة قائمة بين واشنطن وموسكو تحدد سقفًا لعدد الرؤوس النووية المنتشرة.
فروسيا كانت قد علّقت العمل ببعض بنودها منذ العام 2023، بينما تبادلت العاصمتان تصريحات غامضة حول إمكانية تمديدها لعام إضافي بشروط متبادلة.
وحتى الآن لا يوجد اتفاق واضح، ما يثير مخاوف من أن يصبح العالم بعد 2026 بلا أي قيود قانونية على الترسانات النووية للمرة الأولى منذ نصف قرن.
إنّ انهيار هذه المعاهدة سيُشكّل ضربة قاسية لبنية الحدّ من التسلح التي بُنيت على مدى عقود، وسيمنح كل طرف حريةً كاملة لتطوير واختبار ونشر أنظمة جديدة، وهو ما يفسر جزئيًا تسارع الخطوات الروسية والأميركية الأخيرة لتثبيت أوراق قوة قبل انقضاء المدة القانونية.
خريطة التسلح النووي العالمي
وفقًا لتقديرات المعاهد الدولية المتخصصة، يبلغ عدد الرؤوس النووية في العالم نحو 12 ألف رأس، منها أكثر من تسعة آلاف في الاستخدام العسكري الفعلي، وما يقرب من أربعة آلاف منتشرة وجاهزة للإطلاق الفوري.
وتستحوذ روسيا والولايات المتحدة معًا على أكثر من 90٪ من هذه الترسانة، بينما تواصل الصين وفرنسا وبريطانيا والهند وباكستان وإسرائيل وكوريا الشمالية تعزيز قدراتها بنسب متفاوتة.
ورغم أن معاهدة عدم الانتشار النووي (NPT) لا تزال الإطار الأوسع لتنظيم هذا الملف، فإن فعاليتها تراجعت مع غياب الثقة بين الدول النووية، وتأخر دخول معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية (CTBT) حيز التنفيذ الكامل بسبب رفض بعض الدول المصادقة عليها.
وهكذا، تبدو منظومة الرقابة الدولية اليوم هشة أكثر من أي وقت مضى.
من الحرب الباردة إلى زمن الأسلحة الفرط صوتية
في الحرب الباردة الأولى، كان التوازن النووي واضح المعالم: قوتان عظميان، منظومات ردع ثابتة، وخطوط اتصال مفتوحة للحيلولة دون الخطأ في الحسابات، لكن المشهد اليوم مختلف جذريًا. فالعالم يعيش تعددية نووية متزايدة، وتكنولوجيا تفوق سرعة الصوت والطاقة النووية الدافعة تجعل زمن القرار أقصر، واحتمالات سوء الفهم أعلى.
أضف إلى ذلك تآكل منظومة الاتفاقات التي كانت تضبط التسلح، ودخول الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة إلى معادلات الردع.
ورغم أن منطق "الردع المتبادل" لا يزال قائمًا، فإن غياب الضوابط الحديثة وتراجع الثقة السياسية بين موسكو وواشنطن يعيدان إلى الأذهان مراحل خطرة من القرن العشرين، وإن كانت بوسائل جديدة وأطراف أكثر.
سباق نوعي أم حرب باردة جديدة؟
قد لا تكون الظروف الاقتصادية والسياسية الراهنة مهيأة لحرب باردة تقليدية كتلك التي شهدها العالم بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن المؤشرات الحالية توحي بسباق تسلح تقني مفتوح.
فالعولمة الاقتصادية تجعل الصدام المباشر أكثر كلفة، لكنّ الردع بالرموز النووية أصبح أداة ضغط سياسية فعّالة في عالم مضطرب.
وبينما تواصل موسكو تطوير منظومات "غير قابلة للإيقاف"، وتلوّح واشنطن بخطط اختبار جديدة، وتزداد الصين حضورًا في المعادلة، يطرح المراقبون سؤالًا جوهريًا: هل يسير العالم نحو سباق ردع نووي بلا قواعد، أم أن القوى الكبرى ستنجح في صياغة «هدنة تقنية» جديدة تتلاءم مع واقع الأسلحة الذكية والعصر النووي المتجدّد؟